مع افتتاح المتحف المصري الكبير، ترتفع بعض الأصوات متسائلة عن جدوى الإنفاق الكبير على هذا المشروع، وكأن الثقافة رفاهية يمكن الاستغناء عنها. لكن الحقيقة أن المتحف لم ينشأ كمنشأة فنية فقط، بل كاستثمار اقتصادي وسياحي ضخم يستهدف جذب ملايين الزوار ودعم قطاع يعد من أهم محركات الاقتصاد المصري. فقد أُشير إلى أن المتحف سيقود عصراً جديداً من السياحة الثقافية ليمتد أثره إلى الفنادق والخدمات والنقل والتجارة وغيرها، ويعمل على زيادة إنفاق السائحين وإطالة مدة إقامتهم في القاهرة.
وما يتجاوز العائد السياحي المباشر هو ما يصنعه المتحف من صورة حضارية جديدة لمصر أمام العالم، بوصفه صرحاً ثقافياً عالمياً سيقدم لأول مرة المجموعة الكاملة لتوت عنخ آمون ويشكل بوابة تاريخية تعزز مكانة مصر كعاصمة التراث الإنساني. كما يمثل المتحف نموذجاً للابتكار والاستدامة في المتاحف الحديثة بالشرق الأوسط وأفريقيا، وهو ما يدعم الشراكات الدولية ويرسّخ الريادة الثقافية المصرية.
أما على مستوى الداخل، فالأثر الاقتصادي-الاجتماعي للمتحف يمتد إلى خلق آلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة وتنشيط الاستثمار في محيطه العمراني، مع تطوير شامل للبنى التحتية والخدمات بالمناطق المجاورة. هذا يعزز جودة الحياة ويدفع النمو التجاري والسياحي المستدام. وهو بعد مهم في وقت تتجه فيه الدول نحو تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على القطاعات التقليدية.
كما أن المتحف ليس مجرد مساحة عرض، بل مركز بحثي وعلمي مُجهّز بأحدث معامل الترميم، ما يجعله ركناً أساسياً في صون التراث الإنساني وإتاحة المعرفة للأجيال القادمة. فتحويل الآثار إلى قيمة اقتصادية لا يعني إخضاعها للسوق، بل توظيفها في تعزيز رأس المال البشري والمعرفي وتوسيع المشاركة المجتمعية في حماية الهوية الوطنية.
ومن زاوية مالية بحتة، فإن ما يبدو تكلفة كبيرة هو في الواقع استثمار ذو عوائد متوقعة تقاس بالسياحة، وتنشيط الاقتصاد، وزيادة الطلب العالمي على المنتج الثقافي المصري. وقد أشارت تقارير إلى وجود مردود اقتصادي قوي للمتحف سيعزز الإيرادات المباشرة وغير المباشرة ويضيف قيمة طويلة الأمد للآثار المصرية عبر عرضها في بيئة حديثة وآمنة عالمياً.
إن المتحف المصري الكبير ليس مشروعاً للزينة ولا مبنى تجميلياً، بل قرار تنموي يستند إلى رؤية اقتصادية وثقافية تؤمن بأن قوة مصر الحقيقية تكمن في حضارتها. والأرقام مهما بدت كبيرة اليوم، فإن مردودها في الغد سيكون أعظم. فالمتحف استثمار في المستقبل… مستقبل تصبح فيه الثقافة مورداً اقتصادياً ومصدراً للهوية ومحركاً للتنمية.
جدير بالذكر ان فكرة إنشاء المتحف المصرى الكبير بدأت في تسعينيات القرن الماضي، وفي عام 2002 تم وضع حجر الأساس لمشروع المتحف ليُشيَّد في موقع متميز يطل على أهرامات الجيزة. وسجّل المتحف المصري الكبير اسمه في التاريخ كأول متحف أخضر في إفريقيا والشرق الأوسط، بعد حصوله على شهادة EDGE Advanced للمباني الخضراء لعام 2024، ليؤكد ريادته في تعزيز الاستدامة وحماية البيئة.
يقع المتحف المصرى الكبير على هضبة الجيزة بالقرب من الأهرامات، ويعد واحدًا من أحد أكبر المتاحف الأثرية في العالم بمجموعة تضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية تعود إلى أكثر من 5 آلاف عام من التاريخ، وسيضم المتحف كنز توت عنخ آمون كاملًا، والذي يعرض لأول مرة في مكان واحد.. ويقام المتحف على مساحة نحو 500 ألف متر مربع بتكلفة تخطت مليار دولار