في سخرية مأساوية لم تشهدها الصراعات، تعلن دولة الاحتلال التزامها بوقف إطلاق النار بعد ساعات فقط من مجزرة راح ضحيتها 110 مدنيين في غزة. هذا هو “السلام المهين” بكل وحشيته، حيث تُزهق الأرواح تحت أنقاض البيوت، ثم تُغسل الدماء بتصريحات دولية جوفاء. من قلب هذه الدوامة، يطفو بيان الحقوقي نبيل أبوالياسين كصيحة مدوية تكشف زيف الرواية الإسرائيلية وتواطؤ الإدارة الأمريكية في تبرير جرائم الحرب.
وقف إطلاق النار على حافة الهاوية
أشار نبيل أبوالياسين إلى أن التصريحات المتضاربة للدول الضامنة، وعلى رأسها قطر والولايات المتحدة وبريطانيا، تكشف هشاشة ما يسمى “بوقف إطلاق النار”. ولفت إلى أن تركيز رئيس الوزراء القطري على “ضمان صمود الاتفاق” ووصفه للأحداث بأنها “مخيبة للآمال” يأتي في وقت ارتكبت فيه إسرائيل مجزرة جديدة بحق 110 مدنيين خلال ساعات. وأوضح أبوالياسين أن هذا التناقض بين الخطاب الدبلوماسي والواقع الدامي يفضح عدم جدية المجتمع الدولي في فرض حل حقيقي، بل يساهم في تمكين آلة القتل الإسرائيلية من مواصلة جرائمها تحت غطاء من الصمت الدولي المخزي.
المجزرة: أرقام وأطفال تحت الركام
هاجم أبوالياسين بشدة الرواية الإسرائيلية التي حاولت تبرير المجزرة، مؤكدًا أن الأرقام تتحدث عن جريمة حرب بامتياز. وأضاف أن ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 110، بينهم 46 طفلاً و20 امرأة، ليس “ردًا محدودًا” كما تدعي واشنطن وتل أبيب، بل هو استئناف متعمد للإبادة الجماعية. ولفت المحقق إلى أن توزع الشهداء بين شمال ووسط وجنوب غزة يثبت أن الهدف كان معاقبة السكان المدنيين بأكملهم وتدمير ما تبقى من مقومات حياتهم، في مشهد يذكر بيوميات الدمار التي لم تتبدل نوايا المحتل فيها.
الترويج الأمريكي: شرعنة الجريمة وتضليل العالم
هاجم أبوالياسين الدور الأمريكي المشبوه، ووضح أن تصريحات الرئيس ترامب ونائبه فانس، التي قللت من شأن المجزرة وادعت أن وقف إطلاق النار “ليس في خطر”، هي جزء من آلية التضليل الإعلامي والسياسي التي تهدف إلى شرعنة الجريمة. وأكد أن وصف الرد الإسرائيلي الذي خلف 110 قتيل بـ “المحدود” وإرجاع السبب إلى “مناوشات صغيرة” هو استهانة صارخة بالعقل البشري وتبييض واضح لوجه الاحتلال الإجرامي. وتساءل أبوالياسين: أي رد محدود هذا الذي يزهق أرواح 46 طفلاً في ليلة واحدة؟.
الخطاب الأمريكي: التضليل المؤسسي وتبرير الجريمة
وفي تحليل لموقف الإدارة الأمريكية، أشار نبيل أبوالياسين إلى تلك المفارقة الخطيرة التي تجسدت في تصريحات نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، الذي سارع لتأكيد أن وقف إطلاق النار “صامد” وأن ما جرى من قصف إسرائيلي أدى إلى مقتل أكثر من 110 فلسطينيين ليس سوى “مناوشات صغيرة هنا وهناك” . ولفت أبوالياسين إلى أن هذا التوصيف الأمريكي الرسمي للدمار والقتل هو أبعد ما يكون عن الواقع، حيث أن وصف مجزرة بهذا الحجم على أنها “مناوشات” ليس إلا محاولة ممنهجة لطمس الحقائق وتضليل الرأي العام العالمي، وغسل أيدي صناع القرار في واشنطن من المسؤولية المباشرة عن دعم واستمرار هذه الجرائم. وأضاف أن مثل هذه التصريحات تكشف المستوى الأخلاقي الجديد الذي وصلت إليه الدبلوماسية الأمريكية، والتي لم تعد تكتفي بالتغطية على الجريمة، بل تشرعنها وتقلل من شأنها لتهدئة الضمير العالمي .
الرواية الإسرائيلية: صناعة الذرائع وقلب الحقائق
وأشار أبوالياسين إلى أن إسرائيل، وبمسانقة أمريكية كاملة، تواصل اختلاق الذرائع، من ادعاء انتهاك حماس لوقف إطلاق النار إلى حادثة قتل الجندي، لتبرير عدوانها المخطط مسبقًا. ووضح أن حماس قد نفت علاقتها بالحادث، مما يؤكد أن إسرائيل تمعن في استخدام سياسة “الكذب ثم التكذب” لخداع الرأي العام. وتساءل بحدة: “من هم الإرهابيون الحقيقيون؟ أهُم أصحاب الأرض الذين يُقتلون على أراضيهم، أم سارقو الأرض الذين يقتلون الأطفال والنساء ويخترقون كل المواثيق والأخلاق؟”.
وختم نبيل أبوالياسين بيانه الصحفي قائلاً: إننا أمام مشهد مأساوي يتكرر، سلام مهين تُغسل به ضمائر العالم بينما تُغسل دماء الأطفال عن شوارع غزة. لن تنجح روايات التضليل، ولن تخفت صرخات الأبرياء تحت ركام الصواريخ. إن دماء الـ 110 شهيداً، والأطفال الـ 46، ستظل شاهداً أبدياً على إجرام الاحتلال وخيانة المتواطئين. إن الطريق الوحيد للسلام الحقيقي يبدأ بالعدالة وإنهاء الاحتلال، وليس بمزيد من المفاوضات على جثث الضحايا. فإما سلام يحفظ الكرامة، أو لا سلام على الإطلاق.