في لحظةٍ يُحاول فيها الغبار أن يستقر على ساحة السياسة الأمريكية، تخرج أصواتٌ من قلب المعركة لترسم ملامح مرحلةٍ جديدة. الرئيس السابق جو بايدن ينهض من صمته مُحمّلاً بغضبٍ صامت، ليسطر كلماتٍ كالسهام يتّهم فيها خصمه دونالد ترامب بأنه “جلب العار للبلاد”. بينما تتهاوى جدران الديمقراطية تحت وطأة كرة الهدم التي يشبه بها بايدن رئاسة ترامب، يبرز غافن نيوسوم حاكم كاليفورنيا كنجمٍ يلوح في الأفق، مُعلناً أن المعركة لم تنتهِ بل غيّرت ساحاتها. في خلفية المشهد، تقرّ إدارة ترامب إعفاءات ضريبية سرية للشركات الثرية، وكأنها تكرّس لانقسامٍ يهدّد أسس العدالة الاجتماعية. هذه ليست مجرد صراعات سياسية عابرة؛ إنها معركة على روح أمريكا.
بايدن وكرة الهدم: هجوم على إرث ترامب
انطلق بايدن في هجومٍ ناريٍ خلال حفل للحزب الديمقراطي في نبراسكا، واصفاً رئاسة ترامب بـ”كرة الهدم” التي لم تستهدف الجناح الشرقي للبيت الأبيض فحسب، بل امتدت لتضرب “الدستور وسيادة القانون والديمقراطية ذاتها”. في خطابٍ موجع، اتهم بايدن ترامب بوضع مصالح الأثرياء فوق حقوق الأمريكيين العاديين، مُشيراً إلى أن سلوكه “جلب العار للبلاد”. كما عقّب على انتصارات الديمقراطيين في انتخابات حكام نيوجيرسي وفرجينيا ورئاسة بلدية نيويورك بأنها “نقاط مضيئة في لحظة حالكة”، مؤكداً أن الشعب وجّه رسالةً واضحةً لترامب. جاء هذا الهجوم بعد أشهر من انكفاء بايدن إثر انسحابه من السباق الرئاسي تحت ضغط الحزب الديمقراطي، ليعود الآن بصوته الذي يحمل رنين المعركة القديمة، وكأنه يُذكّر بأن شعلة المقاومة لم تنطفئ.
الإعفاءات الضريبية السرية: هدية ترامب للأثرياء
كشف تقرير لصحيفة نيويورك تايمز عن قيام إدارة ترامب بتوزيع إعفاءات ضريبية ضخمة سراً لصالح شركات الأسهم الخاصة وشركات التشفير والمستثمرين العقاريين الأجانب، عبر لوائح مقترحة صادرة عن وزارة الخزانة. هذه الإجراءات التي تمت “تحت الرادار” تستند إلى الإعفاء الضريبي المنصوص عليه في قانون ترامب السابق “مشروع قانون كبير جميل”، والذي قدّر مكتب ميزانية الكونغرس أنه سيقلل الإيرادات الضريبية بـ4 تريليونات دولار خلال العقد المقبل. ووفقاً لمركز التقدم الأمريكي، فإن القانون يمنح أعلى 5% من الأمريكيين تخفيضاتٍ تصل إلى 1.5 تريليون دولار. انتقد خبراء مثل كايل بوميرلو من معهد المشاريع الأمريكية هذه الخطوة، معتبرين أنها “تتجاوز السلطة الدستورية للكونغرس في سن قوانين الضرائب”. بل إن شركات مثل “Cheniere Energy” أعلنت عن استرداد 380 مليون دولار بفضل هذه التوجيهات، بينما حذّر خبراء من أن هذه السياسات ستُضخّم العجز الفيدرالي وتعمّق عدم المساواة.
غافن نيوسوم: الوجه الجديد للمعارضة وأبرز مرشحي 2028
بعد فوزه الساحق في انتخابات كاليفورنيا، عزّز الحاكم الديمقراطي غافن نيوسوم موقعه كأبرز خصوم ترامب وأحد أبرز المرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية في 2028. نيوسوم، الذي يشغل منصب حاكم كاليفورنيا منذ 2019، شنّ هجماتٍ متكررة على ترامب، متّهِماً إياه بـ”الاستبداد” خاصةً بعد نشر الحرس الوطني في لوس أنجلوس خلال احتجاجات مناهضة للرئيس. بأسلوبٍ هجوميٍ مماثلٍ لأساليب ترامب نفسه، سخّر نيوسوم من خصمه على وسائل التواصل الاجتماعي، ووصف معجبيه بـ”الحثالة” راداً على هجوم ترامب عليه بلقب “نيوزكام”. خلال حملته الانتخابية، أكّد نيوسوم أن الديمقراطيين يمكنهم “إنهاء رئاسة ترامب كما نعرفها” من خلال التركيز على انتخابات 2026. يُعتبر نيوسوم تقدمياً في قضايا الاجتماعية، مما يجعله هدفاً للانتقادات من المحافظين، لكنّ صعوده يرمز إلى تحوّل الحزب الديمقراطي نحو قيادة شابة ومواجهة مباشرة .
وختامًا: معركة الروح الأمريكية.. لم تُحسَم بعد
ها هي الرمال تتحرك من جديد في صحراء السياسة الأمريكية. من هجوم بايدن الذي يشبه تحذيراً من انهيار الديمقراطية، إلى صفقات الإعفاءات الضريبية التي تكشف عن حربٍ طبقيةٍ صامتة، وصولاً إلى صعود نيوسوم كفارسٍ جديدٍ يحمل لواء المعارضة. هذه المشاهد ليست مجرد فصولٍ منافسة؛ إنها تجسيد لمعركةٍ أعمق: معركة على هوية أمريكا بين من يرونها وطناً للتعددية والعدالة، ومن يحوّلها إلى ساحة للامتيازات والانقسام. لوحةٌ ترسمها أصوات بايدن الغاضبة، وصراخ نيوسوم المتمرّد، وصمت الإعفاءات الضريبية التي تهدّد بتفجير المجتمع من داخله. في النهاية، السؤال ليس من سيفوز، بل أي أمريكا ستنتصر؟ تلك التي تُهدم بكرات الهدم، أم تلك التي ترفض أن تُدفن تحت أنقاضها. الباب لم يُغلق بعد، والمعركة القادمة ستكتب مصيراً.. إما أن يكون ناراً تُحرق الجميع، أو نوراً يعيد للوطن روحه.