لم أكن أتخيل أن يأتي يوم يصبح فيه الذكاء الاصطناعي لاعبا رئيسيا في الحملات الانتخابية، ينافس خبرة المستشارين الانتخابيين، وذكاء المندوبين، ودهاء المخضرمين في إدارة المعارك البرلمانية. لكن هذا اليوم قد جاء بالفعل، وباتت التكنولوجيا شريكا غير معلن في سباق مجلس النواب 2025.
في جولاتى الميدانية، ومتابعتي لحملات بعض المرشحين في المحافظات، لمست أن المشهد تغير جذريا. لم يعد الأمر يقتصر على اللافتات المعلقة في الشوارع، أو المؤتمرات الحاشدة التي يعتلي فيها المرشح المنصة ليتحدث عن برنامجه التقليدي. هناك الآن من يجلس خلف شاشة كمبيوتر، يحلل التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، ويقيس نبض الدائرة عبر خوارزميات تلتقط ما يفكر فيه الناخب قبل أن ينطق به.
بعض المرشحين – خصوصا من جيل الشباب – بدأوا يوظفون أدوات الذكاء الاصطناعي في صياغة رسائلهم الانتخابية، وتصميم حملاتهم الرقمية، وحتى في معرفة أكثر أوقات النشاط على فيسبوك لبث منشوراتهم. بل وصل الأمر إلى أن بعضهم يستخدم برامج تحليل متقدمة لتقسيم جمهور الدائرة إلى فئات عمرية ومهنية، بحيث تصل الرسالة المناسبة لكل فئة في الوقت والمكان المناسبين.
ولا أخفيكم سرا أنني انبهرت بقدرة هذه التقنيات على تحويل البيانات الجافة إلى استراتيجيات واقعية تضرب مباشرة في عمق احتياجات الناس. فبدلا من أن يتحدث المرشح بلغة عامة عن التعليم أو الصحة، صار يخاطب كل شريحة بما يخصها: مدرسة تحتاج تطويرا، أو مستشفى ينقصه جهاز، أو شباب يبحث عن فرصة.
ورغم بريق الذكاء الاصطناعي وإغراء نتائجه السريعة، فإن له عيوبا لا يمكن تجاهلها. فالإفراط في الاعتماد على الخوارزميات يجعل الخطاب الانتخابي باردا، خاليا من روح التواصل الإنساني التي تبني الثقة بين المرشح والناخب. كما أن بعض أدوات الذكاء الاصطناعي قد تستخدم في تضليل الرأي العام، عبر فبركة صور أو مقاطع مصطنعة توهم الجمهور بشعبية زائفة أو إنجازات غير حقيقية. والأخطر أن هذه التقنيات قد تفتح الباب لتدخل جهات خارجية أو شركات تسويقية في توجيه المزاج الانتخابي، بما يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها الإنساني والسياسي. فالذكاء الاصطناعي قد يكون أداة للنهضة… أو وسيلة للتزييف، حسب من يمسك بزمامه.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الاستخدام الرشيد للذكاء الاصطناعي قد يمنح الحياة السياسية دفعة كبيرة نحو التحديث والشفافية، إذا استخدم في توعية الناخبين وتحليل احتياجاتهم الحقيقية، لا في التلاعب بمشاعرهم. فحين يوظف المرشح هذه التقنيات لخدمة الصالح العام، يصبح أكثر قدرة على التواصل مع المواطنين، وصياغة برامج واقعية تستند إلى بيانات دقيقة لا إلى وعود فضفاضة. إن الذكاء الاصطناعي في جوهره ليس خطرا، بل أداة، والفارق الوحيد بين النجاح والفشل هو نية الاستخدام ومدى التزام الحملة بحدود الأخلاق والمسؤولية.
لقد دخلنا حقبة جديدة في السياسة المصرية، حيث لم يعد النجاح الانتخابي مرهونا بعدد المؤتمرات أو حجم الإنفاق، بل بمدى فهم المرشح لعقل ناخبيه، وقدرته على استخدام أدوات العصر دون أن يفقد روحه الإنسانية.
ولعل السؤال الذي سيطرح نفسه هو:
من سيفوز في الانتخابات المرشح الشعبي أم المرشح الذكي؟
وربما تكون الإجابة: الاثنان معا… بشرط أن يتقن الإنسان استخدام ما صنعه عقله.