لم تعد صناديق الاقتراع وحدها كفيلة بصناعة الديمقراطية، ولم يعد مشهد الطوابير أمام اللجان دليلا كافيا على الوعى السياسي، ففى اليوم الثانى من المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية 2025، بدا المشهد المصرى وكأنه يكرر نفسه، تنظيم متقن، وحضور رسمى لافت، لكن غياب الحماس فى عيون الناخبين كان العنوان الأوضح.. انتخابات تدار بدقة، لكنها تفتقر إلى حرارة المشاركة، وصناديق مفتوحة تنتظر أصواتا تأخرت عن الحضور. إنها لحظة مواجهة بين الشكل والمضمون، بين ما يعرض أمام الكاميرات وما يدور داخل العقول، بين ديمقراطية تمارس بالورق وأخرى غائبة عن الوجدان.
من الناحية الإجرائية، لا خلاف على أن الهيئة الوطنية للانتخابات نجحت فى إدارة العملية باحترافية، حيث فتحت اللجان أبوابها فى مواعيدها المحددة، وتوفرت التسهيلات للناخبين، ورغم فتور المشاركة السياسية، لا يمكن تجاهل الجهد الكبير الذى بذلته وزارة الداخلية فى تأمين العملية الانتخابية على مدار اليومين، حيث انتشرت قوات الشرطة فى محيط اللجان ومراكز الاقتراع لتأمين الناخبين وضمان انسيابية الحركة ومنع أى تجاوزات،
فقد بدت المشاهد أمام اللجان منظمة وهادئة، بفضل خطة انتشار محكمة نفذتها الأجهزة الأمنية، بالتنسيق مع الهيئة الوطنية للانتخابات، كما تم توفير خدمات إنسانية للناخبين، خاصة كبار السن وذوى الإعاقة، بما يعكس حرص المؤسسة الأمنية على أن تجرى الانتخابات فى أجواء مستقرة وآمنة.
ومع ذلك، يظل التحدى الحقيقى ليس فقط فى حفظ الأمن الخارجى، بل فى دعم مناخ سياسى داخلى أكثر انفتاحا يتيح للمواطنين ممارسة حقهم بحرية ووعى، حتى لا تبقى الجهود الأمنية هى العنصر الأكثر بروزا فى مشهد انتخابى باهت سياسيا.
لكن من الناحية السياسية، ظلت الصورة أقل إشراقا، ففى بعض الدوائر بمحافظات الجيزة والمنيا والإسكندرية، لوحظ انخفاض الإقبال داخل المدن، مقابل تزايد محدود فى القرى بفعل الحشد القبلى والعائلى.
فعلى سبيل المثال، فى دائرة العياط بمحافظة الجيزة، تحولت بعض اللجان إلى ما يشبه التجمعات العائلية، حيث كان المرشح يعتمد على العزوة أكثر من البرنامج الانتخابي، بينما فى مدينة الإسكندرية – وخاصة دائرة محرم بك – بدا المشهد هادئا إلى حد الجمود، لا دعاية مؤثرة ولا نقاشات عامة حول القضايا المحلية.
وفى المقابل، أظهرت بعض المناطق الريفية مثل قرى محافظة الفيوم ومراكز قنا حضورا نسائيا لافتا، نتيجة نشاط المجتمع المدنى وبعض الأحزاب فى تشجيع السيدات على التصويت، وهو ما يمثل نقطة إيجابية تعكس وعى المرأة بحقها الدستوري رغم ضعف الحضور الشبابي العام.
أما على صعيد الخطاب الانتخابي، فالمشهد لم يختلف كثيرا عن الدورات السابقة، وعود بالخدمات، وعبارات فضفاضة عن دعم الدولة، دون رؤية واضحة لدور البرلمان المقبل فى الرقابة والتشريع.. فمرشح يقول فى جولاته ان هدفى خدمة الناس والوقوف بجانب الحكومة، وآخر يعد بـتعيينات للشباب وتحسين الأحوال، وكأن البرلمان أداة تنفيذ لا سلطة رقابة وتشريع، وهنا تكمن المشكلة الجوهرية، وهى غياب المفهوم الحقيقى لوظيفة النائب لدى كثير من المرشحين والناخبين على السواء.
الإعلام بدوره لم ينجح فى تحفيز النقاش العام، فاكتفت القنوات بتغطيات شكلية للجان ومشاهد الناخبين، دون طرح موضوعى لبرامج أو مناظرات، وكأن المطلوب هو توثيق الحضور لا اختبار الوعى، كما لم تتح للأحزاب المعارضة أو المستقلة مساحة كافية لعرض أفكارها، مما جعل التنافس أقرب إلى سباق محلى محدود منه إلى معركة سياسية وطنية.
ومع اقتراب غلق الصناديق، يبدو أن الانتخابات تسير نحو نتائج متوقعة، بوجوه بعضها معروف مسبقا وأخرى فرضها التوازن الاجتماعى أكثر من الكفاءة السياسية.
ويبقى السؤال: ماذا بعد؟ هل سيتعامل البرلمان الجديد مع القضايا الاقتصادية والمعيشية الشائكة بمنطق جديد، أم سيكتفى بالتصفيق للسياسات العامة دون مراجعة أو تعديل؟
إن التجربة الانتخابية الحالية تقدم نموذجا مزدوجا، نجاح تنظيمى فى الشكل، يقابله جمود سياسى فى الجوهر.
وإذا كانت الدولة المصرية قد قطعت شوطا كبيرا فى ترسيخ الاستقرار الأمنى والمؤسسى، فإنها مطالبة اليوم بفتح المجال أمام حيوية سياسية حقيقية تضمن التعدد والتعبير الحر عن الرأى.
فبدون نقاش عام، وبرامج حقيقية، وثقة متبادلة بين المواطن ومؤسسات الحكم، ستظل صناديق الاقتراع مجرد صناديق انتظار لتغيير لم يأت بعد.