عبدالرحيم عبدالباري
شهدت مستشفى العلمين التخصصي واحدة من الجراحات الدقيقة التي تجمع بين الدقة والسرعة والأداء الطبي المتكامل، في واقعة تُجسد قيمة العنصر البشري وخبرة الأطقم الطبية داخل المنشآت الصحية التابعة لوزارة الصحة والسكان. وجاءت هذه الملحمة الطبية لتؤكد أن المستشفيات الحكومية قادرة على تقديم خدمات ذات مستوى عالٍ من الكفاءة، خصوصًا في حالات الإصابات الحرجة التي تتطلب تدخلاً فوريًا ومهارة فائقة في التعامل مع أدق تفاصيل الجسم البشري. وقد تمت العملية تحت إشراف وتوجيهات قيادات القطاع الصحي وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور خالد عبدالغفار نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، والأستاذة الدكتورة مها إبراهيم رئيس أمانة المراكز الطبية المتخصصة، والدكتور أحمد رزق نائب رئيس الأمانة، والدكتور إبراهيم حرب مدير مستشفى العلمين النموذجي.

جرت الواقعة عندما وصل مريض يبلغ من العمر 24 عامًا إلى قسم الطوارئ بالمستشفى إثر تعرضه لسقوط من ارتفاع حوالي مترين، ما أدى إلى نفاذ سيخ حديدي عبر الذراع الأيمن وصولاً إلى أسفل الفك السفلي من الناحية اليسرى. كانت الإصابة صادمة ومعقدة بحيث قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة تمس الأعصاب والأوعية الدموية ومسار التنفس إن لم يتم التعامل معها بحرفية وسرعة. وعلى الفور تم استقبال الحالة وفق بروتوكولات الطوارئ المعتمدة، وإجراء الفحوصات والأشعة اللازمة لتحديد مسار الجسم الغريب وتقييم احتمالات النزف أو إصابة الأنسجة الحيوية.
سرعة اتخاذ القرار الطبي كانت العامل الحاسم في إنقاذ حياة الشاب، حيث تم إدخاله مباشرة إلى غرفة العمليات دون إضاعة لحظة واحدة، خاصة أن أي تأخير كان قد يتسبب في مضاعفات خطيرة أو تهديد مباشر للحياة. داخل غرفة العمليات كانت روح الفريق والتعاون المشترك هي العنوان الأبرز، حيث تضافرت جهود قسم جراحة الوجه والفكين وقسم التخدير والتمريض في تناغم دقيق أشبه بعملية جراحية تجري داخل غرفة عمليات قلب مفتوح أو جراحة مخ معقدة.

قاد العملية الجراحية الدكتور إسلام قاسم رئيس قسم جراحة الوجه والفكين، وبمشاركة عقيد طبيب/ أمير الراوي استشاري جراحة الوجه والفكين، ود. باسل الجرواني، ود. محمد مجدي من أطباء القسم. وقد واجه الفريق تحديًا بالغًا في كيفية إزالة السيخ الحديدي دون الإضرار بالأنسجة المحيطة أو التسبب في نزف خطير، وذلك نظرًا لمرور السيخ بالقرب من أعصاب حيوية وشبكات دقيقة من الأوعية الدموية. وتمت عملية الاستخراج بحرفية دقيقة تحت تأثير المخدر الكلي وبمشاركة فريق التخدير بقيادة الدكتور سمير حسن رئيس قسم التخدير بالمستشفى.
لم يقل دور فريق التخدير والتمريض في الأهمية عن دور الجراحين، إذ كان الحفاظ على استقرار العلامات الحيوية للمريض وتوفير بيئة آمنة خلال الجراحة جزءًا لا يتجزأ من نجاح التدخل الطبي. تمت متابعة التنفس ووظائف القلب وضبط مستوى السوائل والدم بدقة عالية، وهو ما يعكس جاهزية المستشفى وكفاءة تجهيزاتها وإعداد أطقمها في التعامل مع الحالات المعقدة والطوارئ الحرجة.

غادر المريض غرفة العمليات بحالة مستقرة وخرج من المستشفى بتحسن ملحوظ، مع استمرار المتابعة عبر العيادة الخارجية لضمان التئام الجرح وسلامة الوظائف العصبية والحركية. وتأتي هذه الواقعة لتؤكد أن المستشفى ليست مجرد مبنى وتجهيزات، بل هي منظومة بشرية تعتمد على الخبرة والروح المهنية والإحساس بالقيمة الإنسانية للمريض.
ما حدث داخل مستشفى العلمين التخصصي لم يكن مجرد إجراء جراحي، بل كان رسالة واضحة بأن الإرادة والمهارة والتجهيز السليم يمكنها إنقاذ حياة في أصعب الظروف. إنها قصة تستحق أن تُروى كنموذج للنجاح الطبي، ولتأكيد أن مصر تمتلك خبرات قادرة على صنع الفارق حين تتلاقى الكفاءة الطبية مع العمل الجماعي والجاهزية المستمرة لخدمة المريض حيثما كان.