حسين السمنودي
في أجواء إيمانية مفعمة بالخشوع والسكينة، شهد مسجد الفتح بمدينة الزقازيق إقامة شعائر صلاة الجمعة بحضور رفيع المستوى، حيث ألقى فضيلة الدكتور محمد إبراهيم حامد، مدير مديرية أوقاف الشرقية، خطبتي الجمعة بحضور الأستاذ الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري، والمهندس حازم الأشموني محافظ الشرقية، والأستاذ الدكتور أحمد عبد المعطي نائب محافظ الشرقية، وعدد من القيادات التنفيذية والشخصيات العامة وأبناء المحافظة.
واستهلت شعائر الصلاة بتلاوة قرآنية عطرة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد عبد الكريم، الذي أضفى بصوته الندي أجواءً روحانية خاصة داخل المسجد، لتتهيأ النفوس لاستقبال خطبة الجمعة التي جاءت بعنوان «أثر الاستقرار الأسري في بناء الإنسان»، وهي قضية تمس حاضر المجتمع ومستقبله، لما للأسرة من دور محوري في تنشئة الأفراد وصناعة الأجيال.
وأكد فضيلة الدكتور محمد إبراهيم حامد خلال خطبته أن الأسرة هي النواة الأولى للمجتمع، وأن صلاحها واستقرارها ينعكسان بصورة مباشرة على استقرار المجتمع بأكمله. فالأبناء يتلقون داخل الأسرة أولى دروس الأخلاق والقيم والانتماء، ومنها يكتسبون المبادئ التي تشكل شخصياتهم وتحدد مسارات حياتهم.
وأوضح أن الإسلام أولى الأسرة عناية كبيرة، وجعلها من أهم المؤسسات التي تقوم عليها حياة الإنسان، حيث تقوم العلاقة بين أفرادها على المودة والرحمة والتعاون والتفاهم، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، مؤكدًا أن هذه القيم تمثل الأساس الحقيقي لاستقرار البيوت واستمرارها.
وأشار فضيلته إلى أن الأسرة المستقرة تخرج أفرادًا أسوياء نفسيًا وفكريًا وأخلاقيًا، قادرين على تحمل المسؤولية وخدمة وطنهم بإخلاص، بينما يؤدي التفكك الأسري إلى ظهور العديد من المشكلات الاجتماعية والسلوكية التي تهدد تماسك المجتمع وأمنه الفكري والأخلاقي.
كما شدد على أهمية التفاف الأسرة حول القرآن الكريم، باعتباره مصدر الهداية والتوجيه، داعيًا الآباء والأمهات إلى غرس القيم الدينية والأخلاقية في نفوس أبنائهم منذ الصغر، حتى ينشأ جيل واعٍ بقضايا وطنه، متمسك بدينه، قادر على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية التي تفرضها المتغيرات المعاصرة.
وتحدث مدير أوقاف الشرقية عن أهمية الحوار الأسري، مؤكدًا أن التواصل المستمر بين أفراد الأسرة يمثل أحد أهم عوامل النجاح والاستقرار، وأن الاستماع للأبناء وفهم احتياجاتهم ومشكلاتهم يسهم في بناء الثقة بينهم وبين آبائهم، ويحصنهم من التأثر بالأفكار السلبية والسلوكيات المنحرفة.
كما تناولت الخطبة التحديات التي تواجه الأسرة في العصر الحديث، خاصة في ظل التطور التكنولوجي المتسارع وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت تؤثر بشكل مباشر على العلاقات الأسرية. وأكد فضيلته ضرورة الاستخدام الرشيد لهذه الوسائل، بما يحقق الاستفادة منها دون أن تكون سببًا في ضعف الروابط الإنسانية أو انشغال أفراد الأسرة عن بعضهم البعض.
وأشار إلى أن بناء الإنسان الصالح يبدأ من بيت صالح، وأن الأمم لا تنهض إلا بأبنائها الذين تربوا على القيم والأخلاق والانضباط وتحمل المسؤولية، موضحًا أن الاستثمار الحقيقي لأي دولة يكمن في بناء الإنسان وتحصينه علميًا وفكريًا وأخلاقيًا.
وقد لاقت الخطبة اهتمامًا وتفاعلًا كبيرين من المصلين، لما تضمنته من رسائل مهمة تمس واقع الأسر المصرية وتؤكد أهمية دورها في صناعة الأجيال وحماية المجتمع من مظاهر التفكك والانحراف. كما أشاد الحضور بالمضامين الهادفة التي تناولتها الخطبة، والتي أكدت أن استقرار الأسرة ليس شأنًا فرديًا فحسب، بل هو قضية وطنية ترتبط ارتباطًا وثيقًا باستقرار المجتمع وتقدمه.
وفي ختام شعائر الصلاة، سادت أجواء من الخشوع والسكينة بين المصلين، الذين خرجوا برسائل إيمانية وتربوية تؤكد أن الأسرة ستظل الحصن الأول لبناء الإنسان، وأن الحفاظ على كيانها مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الجميع من أجل تنشئة أجيال قادرة على مواصلة مسيرة البناء والتنمية.
وفي زمن تتسارع فيه التحديات وتتغير فيه أنماط الحياة، تبقى الأسرة هي الحصن المنيع الذي يحفظ القيم ويصنع الأجيال ويحمي المجتمعات من عوامل التفكك والانهيار. فكل بيت يسوده الحب والتفاهم والرحمة هو لبنة قوية في بناء وطن آمن ومستقر، وكل أب وأم يزرعان القيم والأخلاق في نفوس أبنائهما يشاركان في صناعة مستقبل أكثر إشراقًا للأمة بأكملها.
إن بناء الإنسان لا يبدأ من المدارس أو المؤسسات وحدها، بل يبدأ أولًا من داخل الأسرة، حيث تتشكل الشخصية وتترسخ المبادئ وتنمو معاني الانتماء والمسؤولية. ومن هنا فإن الحفاظ على استقرار الأسرة ليس واجبًا اجتماعيًا فحسب، بل هو واجب وطني وديني وأخلاقي، تتضافر من أجله جهود الجميع.
وستظل الأسرة المصرية، بما تمتلكه من قيم أصيلة وروابط متينة، نموذجًا للعطاء والتماسك، وقوة دافعة نحو التنمية والبناء، لأن الأوطان العظيمة لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُبنى بسواعد أبناء صالحين تربوا في بيوت عامرة بالإيمان والأخلاق والمحبة. وإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، وإذا استقر البيت استقر الوطن، وإذا أُحسن بناء الإنسان أشرقت أمام الأمة آفاق التقدم والازدهار وصناعة المستقبل.