على مدى سنوات عملي الاعلامى وتتبعي لملف مياه النيل، لم أشهد لحظة يتجلى فيها حجم المسؤولية التاريخية الواقعة على مصر كما أشهدها اليوم، فالنهر الذي كان دائما رمزا للحياة والاستقرار بات محورا لخطابات سياسية متوترة، ومصدر قلق مشروع لدولة لا تملك بديلا عنه، ولأنني شاهد على ما بذلته القاهرة من جهد صادق للوصول إلى اتفاق عادل، شعرت بحجم التشويه المتعمد حين قرأت بيان الخارجية الإثيوبية بالأمس.
بيان لا يستهدف فقط قلب الحقائق، بل يسعى لمحو سياق تاريخي وقانوني يعرفه العالم، ووضع مصر في موقع المعتدي، ومن هنا جاءت هذه السطور… دفاعا عن الحقيقة، ودعما لحق مصر المشروع في الحياة، وتوضيحا لما تجاهله البيان الإثيوبي عمدا.
البيان الإثيوبي اتسم بقدر كبير من المبالغات السياسية والمغالطات القانونية، وافتقر بصورة لافتة إلى قواعد الدبلوماسية الرصينة، فقد حاول تصوير مصر باعتبارها دولة ترفض الحوار وتلوح بالتصعيد، بينما الواقع على النقيض تماما، فمصر شاركت في كل جولات التفاوض بحسن نية، ولم تتخلف يوما عن أي مسار مقترح يمكن أن يجنب المنطقة التوتر.
ولم تصدر القاهرة عبر تاريخها الحديث — كما يلمح البيان الإثيوبي — أي تهديدات باستخدام القوة، بل إن السياسة المصرية كانت ولا تزال قائمة على احترام القانون الدولي، واللجوء إلى الآليات السلمية للحفاظ على حقوقها المائية.
وإصرار إثيوبيا على وصف الاتفاقيات القانونية المنظمة لمياه النيل بأنها اتفاقيات استعمارية ليس سوى محاولة للهروب من الحقائق، فهذه الاتفاقيات لم توقعها قوى استعمارية بالنيابة عن الشعوب، بل وقعتها دول مستقلة ذات سيادة، وهي تستند إلى مبدأ أصيل في القانون الدولي، عدم التسبب بضرر جسيم لدول المصب.
واللافت أن مصر لم تطلب ما يتجاوز الحق، لم تعترض على التنمية في إثيوبيا، ولم تمنع إنشاء السد من حيث المبدأ، بل طالبت فقط بتوقيع اتفاق قانوني ملزم ينظم الملء والتشغيل ويحفظ حقوق الجميع، ما أثار قلق المجتمع الدولي هو أن إثيوبيا تتعامل مع السد باعتباره ورقة سياسية أكثر منه مشروعا تنمويا، فقد اختارت نهجا أحاديا في كل المراحل ( ملء السد دون اتفاق، تغييب البيانات الفنية، تجاهل المخاطر البيئية والهيدرولوجية على دول المصب، وتحويل مشروع الكهرباء إلى أداة لإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي ) هذا النهج يتعارض مع كل القواعد الدولية لإدارة الأنهار المشتركة، بدءا من اتفاقية الأمم المتحدة 1997 وحتى مبادئ التعاون والاستعمال المنصف.
الخطاب الإثيوبي الذي يلمح إلى نفوذ مصري أو هيمنة تاريخية هو خطاب يفتقد للمنطق، فمصر لم تعرف يوما بأنها دولة توسعية، ولم تمارس ضغوطا على أحد، وهي الدولة الأكثر التزاما بالمقاربات الدبلوماسية، والأكثر حرصا على استقرار المنطقة… القاهرة تدرك أن استقرار دول الحوض ليس رفاهية، بل مصلحة مشتركة، لذلك ظلت رغم كل الاستفزازات متمسكة بالحوار وبناء الثقة، ولم تغلق أي باب تفاوضي إلا بعد أن أغلقته أديس أبابا بإجراءات أحادية تفتقر إلى الشفافية.
إن التوصيف الخاطئ للأزمة في البيانات الإثيوبية ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل محاولة لخلق مشهد إعلامي ضبابي يسمح باستمرار فرض الأمر الواقع،
لكن الحقيقة لا يمكن دفنها، فالأمن المائي لمصر هو مسألة وجود، وليس ملفا تفاوضيا مرنا يمكن تأجيله أو غض الطرف عنه، وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن التساهل مع الإجراءات الأحادية يشجع على تكرارها، ويهدد بتحويل النيل إلى مصدر توتر دائم، بعدما كان رمزا للتكامل بين شعوب واديه.
مصر تؤمن بالتعاون الإقليمي، وتؤمن أن التنمية المشتركة هي السبيل الأمثل لتقدم الجميع، لكنها في الوقت ذاته لن تقبل بأي مساس بحقوقها التاريخية أو بمستقبل أجيالها، فإذا كانت إثيوبيا ترى أن الهروب من الحقائق والهجوم على القاهرة سيمنحها شرعية سياسية، فإنها تخطئ قراءة التاريخ والجغرافيا والقانون، فالحل لن يكون بالبيانات العدائية، بل باتفاق قانوني ملزم وعادل وشفاف، وهو ما طالبت به مصر منذ اليوم الأول ولن تتراجع عنه.
وفي النهاية، أكتب هذه السطور لا بصفتي صحفيا فقط، بل كمواطن مصري يحمل هم بلده على كتفيه، ويعرف معنى أن يكون النيل هو الحياة ذاتها، نحن أبناء هذا الوطن لا نملك ترف اللامبالاة، ولا نقبل أن يهدد شريان وجودنا تحت أي ذريعة، وربما تختلف آراؤنا في السياسة، وربما نختلف في رؤانا للمستقبل، لكننا نتفق جميعا على شيء واحد لا يعلوه خلاف، أن مصر لا تبتز، ولا تهدد، ولا تتنازل عن حقها، إن ما يواجهه وطننا ليس مجرد خلاف سياسي، بل اختبار لوحدة الإرادة المصرية… واثق تماما أننا سنجتازه كما اجتزنا غيره، لأن هذا الشعب تعلم عبر تاريخه أن يحمي النيل كما يحمي نفسه، وأن يقول للعالم كله، هنا مصر… وهنا يقف أبناءها صفا واحدا حين يتعلق الأمر بالوطن.