عبدالرحيم عبدالباري
في لحظاتٍ فارقة قد لا تتجاوز الدقائق، تتحدد ملامح الحياة أو الموت، وتتحول غرف الطوارئ إلى مسارح بطولات حقيقية لا يعرفها إلا من يعملون في صمت خلف الأبواب البيضاء. فجرٌ مدجج بالقلق، وطفل في الخامسة من عمره يبتلع بطارية صغيرة، لكنها تحمل خطرًا قد يساوي عمرًا كاملًا. داخل مستشفى أبوكبير المركزي بمحافظة الشرقية، لم يكن الحدث مجرد حالة طبية طارئة، بل اختبارًا حقيقيًا لكفاءة المنظومة الصحية، وقدرتها على التحرك السريع، واتخاذ القرار الحاسم، وإنقاذ حياة كانت على حافة الخطر.

بدأت القصة في ساعة مبكرة من فجر يوم شديد التوتر، حين استقبل قسم الطوارئ بمستشفى أبوكبير المركزي طفلًا في الخامسة من عمره، بعد أن ابتلع بطارية معدنية صغيرة، في واحدة من أخطر الحوادث المنزلية التي تهدد الأطفال في هذه المرحلة العمرية. الهلع كان سيد الموقف، لكن سرعة التشخيص، وحسم القرار بالتدخل العاجل، كانا عنوان اللحظة. فبطاريات الليثيوم، على صِغر حجمها، تمتلك قدرة مرعبة على إحداث حروق كيميائية وكهربائية داخل المريء خلال دقائق، وقد تؤدي إلى نزيف حاد أو ثقب قاتل إذا لم يتم التدخل الفوري.
تحت قيادة الدكتور صهيب محمد إبراهيم أخصائي المناظير، وبمشاركة الدكتور علي الساعاتي أخصائي التخدير، وبدعم كامل من هيئة التمريض بوحدة المناظير، جرى تجهيز الطفل لإجراء منظار عاجل بدقة وسرعة تحسب بالثواني. العملية لم تكن روتينية، بل محفوفة بمخاطر كبيرة بسبب موضع البطارية وحساسيتها وقدرتها على إحداث مضاعفات فورية. ومع ذلك، وبمهارة عالية، نجح الفريق الطبي في استخراج البطارية من المريء دون حدوث أي ثقوب أو نزيف، في إنجاز يؤكد كفاءة الأطباء المصريين وقدرتهم على التعامل مع أدق الحالات.
التدخل الطبي لم يأتِ في فراغ، بل جاء في إطار منظومة متكاملة من التنسيق والدعم، حيث جرى التواصل الفوري مع مركز الخدمات الطارئة بمديرية الشئون الصحية بالشرقية، وإجراء الفحوصات اللازمة بسرعة قياسية قبل الدخول لغرفة المناظير. وأكد الدكتور أحمد البيلي، وكيل وزارة الصحة بالشرقية، أن الحالة تم التعامل معها وفق أعلى البروتوكولات الطبية، مشيرًا إلى أن سرعة التدخل هي العامل الفاصل بين الشفاء والمضاعفات القاتلة، وأن الطفل خرج من العملية مستقرًا دون أي آثار جانبية تُذكر.

هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجيهات واضحة من الأستاذ الدكتور خالد عبدالغفار نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، والمهندس حازم الأشموني محافظ الشرقية، بتعزيز كفاءة المستشفيات العامة والمركزية، ودعم أقسام المناظير على وجه الخصوص. كما جاءت تعليمات الدكتور أحمد البيلي برفع مستوى الجاهزية، وتوفير الدعم الفني والتقني، لتؤكد أن ما حدث هو نتاج رؤية إدارية واعية، تستثمر في الإنسان قبل الأجهزة، وفي التدريب قبل الإمكانيات.
جدير بالذكر، تعد وحدة مناظير الجهاز الهضمي بمستشفى أبوكبير المركزي تُعد من الوحدات المتقدمة على مستوى المحافظة، حيث تقدم خدمات مناظير المعدة والقولون والقنوات المرارية، ومناظير الأطفال التشخيصية والعلاجية، إلى جانب وحدة التردد الحراري لعلاج الأورام، وعيادات تخصصية للكبد والجهاز الهضمي. هذه الإمكانيات جعلت المستشفى نقطة ارتكاز حيوية في استقبال الحالات المعقدة، خاصة من الأطفال.
وفي لفتة تقدير مستحقة، وجه وكيل وزارة الصحة الشكر لكل من أسهم في هذا الإنجاز، بدءًا من قيادات المديرية، مرورًا بإدارة المستشفى، وصولًا إلى الأطباء وهيئة التمريض والفنيين والخدمات المعاونة، مؤكدًا أن هذا النموذج من العمل الجماعي هو ما تسعى إليه الدولة في القطاع الصحي. كما حملت الواقعة رسالة توعوية بالغة الأهمية للأسر المصرية، بضرورة إبعاد البطاريات والأجسام الصغيرة عن متناول الأطفال، لأن لحظة غفلة قد تتحول إلى مأساة.
حادثة بطارية ابتلعها طفل كانت يمكن أن تنتهي بفاجعة، لكنها تحولت في مستشفى أبوكبير المركزي إلى ملحمة إنسانية وطبية مكتملة الأركان، عنوانها سرعة القرار، ودقة التنفيذ، وروح الفريق. في فجرٍ بدأ بالخطر وانتهى بالأمل، انطلقت رسالة طمأنينة لكل بيت مصري: أن في مستشفياتنا جنودًا يواجهون الموت كل يوم، وينتصرون للحياة في صمت، ويُعيدون النبض كلما ظن الخوف أنه انتصر.