حين بدأت هذه السلسلة، لم أكن أبحث عن وزير.
كنت أبحث عن الإجابة عن سؤال أكبر…
من يستطيع أن يعيد للثقافة المصرية دورها الذي كانت تصنع به وجدان أمة كاملة؟
ولهذا مررت على الفنان…
والمؤرخ…
والاقتصادي…
والروائي…
والناقد…
وصانع السياسات…
ومن عرف دهاليز الوزارة.
لكنني اليوم أقف أمام نموذج مختلف تمامًا.
نموذج لا يمكن اختزاله في لقب أكاديمي، ولا في منصب إداري، ولا حتى في تاريخ طويل من الكتابة.
بل أمام رجل عاش الثقافة المصرية من كل أبوابها.
درسها.
ونقدها.
ودافع عنها.
وأدار مؤسساتها.
وشارك في صناعة سياساتها.
حتى أصبح واحدًا من أكثر العارفين بما يدور خلف ستائر وزارة الثقافة.
إنه الأستاذ الدكتور أسامة أبو طالب.
هناك شخصيات تصنعها المناصب.
وهناك شخصيات تمنح المناصب قيمتها.
وأحسب أن أسامة أبو طالب ينتمي إلى الفئة الثانية.
لأن سيرته لا تبدأ يوم جلس على مقعد مسؤول، ولا تنتهي يوم غادره.
بل تمتد عبر عقود من العمل الفكري والمسرحي والإداري، حتى أصبح واحدًا من أهم الأصوات التي أسهمت في تشكيل الوعي المسرحي والثقافي العربي.
لم يكن المسرح بالنسبة إليه مجرد خشبة.
بل كان معملًا لصناعة الإنسان.
وكان يؤمن أن العرض المسرحي ليس حدثًا فنيًا عابرًا، بل فعلٌ حضاري يعيد صياغة علاقة الإنسان بنفسه، وبمجتمعه، وبوطنه.
ولهذا جاءت كتبه وأبحاثه بعيدة عن الاستعراض الأكاديمي.
كان يكتب ليبني رؤية.
لا ليعرض مصطلحات.
وكان ينقد ليطور التجربة.
لا ليهدم أصحابها.
وهذا هو الفارق بين الناقد الحقيقي، ومن يمارس النقد بوصفه سلطة.
لكن القيمة الكبرى في تجربة أسامة أبو طالب، في رأيي، أنه لم يبق داخل البرج الأكاديمي.
نزل إلى أرض الواقع.
دخل المؤسسة الثقافية.
وعرف كيف تُصنع القرارات.
وكيف تتحرك القطاعات.
وكيف تتعثر المشروعات.
وكيف يمكن إنقاذها.
ولهذا لم يكن تنظيره منفصلًا عن التطبيق.
ولم تكن إدارته منفصلة عن الفكر.
إنها معادلة نادرة نفتقدها كثيرًا.
لقد شغل مواقع قيادية داخل وزارة الثقافة، وأدار مؤسسات مسرحية وثقافية كبرى، فتعرف على تفاصيل المنظومة من الداخل، لا من خلال التقارير، بل من خلال الممارسة اليومية.
وهذه خبرة لا تُشترى.
ولا تُكتسب في أشهر.
بل تُبنى عبر سنوات طويلة من الاحتكاك الحقيقي بالمبدعين، وبالمؤسسات، وبالجمهور.
وأحسب أن وزارة الثقافة اليوم لا تحتاج فقط إلى من يعرف أسماء القطاعات.
بل إلى من يعرف لماذا نجح بعضها…
ولماذا تعثر بعضها الآخر.
وهذه المعرفة لا تتوافر إلا لمن عاش التجربة.
وربما لهذا السبب ظل اسم أسامة أبو طالب حاضرًا كلما فُتح النقاش حول مستقبل الثقافة المصرية.
ليس لأنه يبحث عن المنصب.
بل لأن تجربته تجعل اسمه حاضرًا تلقائيًا في أي حوار جاد.
إن الثقافة المصرية اليوم لا تعاني من قلة الفنانين.
ولا من نقص المبدعين.
بل من غياب المشروع الذي يجمع كل هؤلاء داخل رؤية واحدة.
ومن هنا تبدو قيمة رجل يعرف كيف يفكر المفكر.
وكيف يعمل الفنان.
وكيف تتحرك المؤسسة.
وكيف تُبنى السياسة الثقافية.
هذه هي المعادلة التي يمثلها أسامة أبو طالب.
ولذلك، فإن ترشيحه لا يعني ترشيح أستاذ جامعي.
ولا ترشيح مسؤول سابق.
بل ترشيح مشروع ثقافي كامل، تشكل عبر عشرات السنين من البحث، والإبداع، والإدارة، والحوار.
لقد حاولت طوال هذه السلسلة أن أقول إن مصر لا تعاني من أزمة أسماء.
بل من أزمة اكتشاف الأسماء المناسبة في اللحظة المناسبة.
وإذا كانت وزارة الثقافة مسؤولية أمام التاريخ…
فإن من يتولاها يجب أن يعرف الثقافة قبل أن يعرف السلطة.
ويعرف الإنسان قبل أن يعرف اللوائح.
ويعرف المستقبل قبل أن يدير الحاضر.
وفي المقال القادم…
لن أتوقف عند أكاديمي…
ولا عند ناقد…
ولا عند مسؤول إداري.
بل أمام شخصيةٍ عاشت داخل وزارة الثقافة سنوات طويلة، وشاركت في صناعة ملفاتها الكبرى، وعرفت كيف تُدار مؤسساتها، وكيف تُواجه أزماتها، حتى أصبحت واحدة من أكثر الشخصيات معرفةً بتفاصيل هذا البيت الثقافي الكبير.
فهل يكون من يعرف الوزارة من الداخل… هو الأقدر على قيادتها من جديد؟