عبدالرحيم عبدالباري
في لحظة مفصلية تشهدها المنظومة الصحية المصرية، استأنفت المؤسسة العلاجية اجتماعات مجلس إدارتها في جلسته الثانية والثلاثين، برئاسة الأستاذ الدكتور محمد شقوير، رئيس مجلس إدارة المؤسسة، داخل وزارة الصحة والسكان، في اجتماع يُعد من أبرز محطات التخطيط الاستراتيجي خلال المرحلة الراهنة. جاء الاجتماع محمّلًا بملفات حيوية تتعلق بتطوير الرعاية الصحية والتحول الرقمي، وسط حضور رفيع المستوى يجسّد تكامل الأدوار بين القيادات الطبية والتنفيذية والمجتمعية. ولم يكن هذا اللقاء مجرد اجتماع دوري، بل منصة حوار عميق لإعادة رسم ملامح المرحلة المقبلة، ووضع أسس جديدة لجودة الخدمات، في توقيت تتسارع فيه خطوات الدولة المصرية نحو بناء منظومة صحية حديثة ومستدامة.

شهد الاجتماع حضورًا نوعيًا يعكس ثقل القرارات المنتظرة، حيث ضم كوكبة من الشخصيات المؤثرة في العمل الصحي والمجتمعي، في مقدمتهم الدكتور علي جمعة رئيس مجلس أمناء مؤسسة مصر الخير وعضو مجلس الإدارة، بما يحمله من بعد إنساني ومجتمعي كبير في دعم المنظومة الصحية، إلى جانب الدكتور تامر مدكور وكيل وزارة الصحة بالقاهرة وعضو مجلس الإدارة، الذي يمثل حلقة الوصل بين السياسات العامة والتنفيذ الميداني. وقد أضفى هذا الحضور المتوازن بين العمل المجتمعي والحكومي بعدًا مختلفًا على المناقشات، حيث تلاقت الخبرة الطبية مع الرؤية المجتمعية والتنفيذية في إطار هدف واحد، هو الارتقاء بمستوى الخدمة الصحية المقدمة للمواطن المصري.
وضم مجلس الإدارة عددًا من مديري المستشفيات التابعة للمؤسسة، الذين يمثلون نبض الواقع داخل غرف الطوارئ وأجنحة العلاج، حيث شارك الدكتور خالد لاشين، مدير مستشفى مبرة مصر القديمة وعضو مجلس الإدارة، والدكتور هشام الفخراني مدير مستشفى مبرة المعادي وعضو المجلس، والدكتور شريف عبدالستار مدير مستشفى هليوبوليس وعضو المجلس، إلى جانب الدكتورة سوزان يسري مدير مستشفى القبطي بالقاهرة وعضو مجلس الإدارة، فضلًا عن مشاركة الدكتورة أسماء جبريل مدير مستشفى الإصلاح الإسلامي. وقد عكست مشاركتهم حجم التحديات اليومية التي تواجه المستشفيات، كما منحت المناقشات بعدًا واقعيًا قائمًا على الخبرة الميدانية، بعيدًا عن الطرح النظري المجرد.
كما شهد الاجتماع حضور ضيوف المجلس من قيادات المؤسسة التنفيذية والفنية والقانونية، حيث شارك الدكتور هاني إمبابي مدير الخدمات الطبية والفنية بالمؤسسة العلاجية، والذي استعرض عددًا من المحاور المتعلقة بتطوير الأداء الطبي والخدمات العلاجية. وشارك المستشار حسام الدين رتيب نائب رئيس مجلس الدولة والمستشار القانوني للمؤسسة العلاجية، لضمان سلامة المسار القانوني لكافة القرارات. كما حضرت الأستاذة رشا عبدالعزيز مدير إدارة التدريب بالمؤسسة، والأستاذ مصطفى الميري مدير إدارة العلاقات العامة والإعلام، والأستاذة هالة عوض مدير عام الشئون المالية والإدارية، والمهندس أشرف طلعت مدير إدارة النظم والمعلومات والتحول الرقمي، والأستاذ علي بكري مدير عام قسم البحوث والإحصاء، في مشهد يعكس تكامل حلقات العمل داخل المؤسسة من التدريب إلى التمويل والتكنولوجيا والإعلام.
وناقش مجلس الإدارة في جلسته الثانية والثلاثين ملف تطوير الخدمات الطبية باعتباره حجر الأساس في أي نهضة صحية حقيقية، حيث جرى استعراض عدد من الاستراتيجيات الرامية إلى رفع كفاءة الخدمة الطبية المقدمة للمواطنين، وتوحيد معايير الجودة في جميع المستشفيات التابعة للمؤسسة. كما تم التأكيد على ضرورة تطوير البنية التحتية الطبية، وتحسين بيئة العمل للأطباء وهيئة التمريض، وتحديث البروتوكولات العلاجية بما يواكب أحدث ما توصل إليه العلم. وقد ركزت المناقشات على أن المواطن يجب أن يكون في صدارة الأولويات، وأن جودة الخدمة ليست ترفًا إداريًا، بل حقًا أصيلًا للمريض، لا يجوز التفريط فيه.
وفي محور لا يقل أهمية، تم فتح ملف التحول الرقمي بشكل موسّع، حيث استعرض المهندس أشرف طلعت آخر مستجدات خطة التحول الرقمي بالمؤسسة، والتي تهدف إلى تحسين كفاءة العمل الإداري والطبي، وتسريع الإجراءات داخل المستشفيات، وربطها إلكترونيًا في منظومة موحدة. وناقش الحضور أثر الرقمنة في تقليل زمن الانتظار، وتحسين دقة البيانات، والحد من الأخطاء الطبية والإدارية. كما أكد المجلس أن التحول الرقمي يمثل الذراع الحديثة للإدارة الصحية المعاصرة، وأن نجاحه يتطلب تدريب الكوادر، وتوفير البنية التكنولوجية، وتكامل البيانات بين جميع القطاعات الطبية والإدارية دون استثناء.
وعبر تقنية “زووم”، شارك في الاجتماع مديري مستشفيات الإسكندرية التابعة للمؤسسة العلاجية، في تأكيد واضح على أن خطة التطوير والتحول الرقمي لا تقتصر على نطاق جغرافي معين، بل تمتد لتشمل جميع الوحدات التابعة للمؤسسة في المحافظات المختلفة. وقد ركزت المداخلات القادمة من الإسكندرية على التحديات الميدانية، وسبل تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة، واحتياجات المستشفيات من دعم فني وبشري وتقني. وأجمع الحضور على أن المرحلة المقبلة تتطلب تضافر الجهود، والعمل بروح الفريق الواحد، لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الإمكانات المتاحة، بما يواكب رؤية الدولة المصرية لقطاع الصحة.
وفي ختام الاجتماع، جاءت كلمات الأستاذ الدكتور محمد شقوير، رئيس مجلس إدارة المؤسسة العلاجية، معبّرة عن روح المرحلة، حين أكد أن المؤسسة تسير بخطى ثابتة ومدروسة لتعزيز مكانتها كركيزة أساسية في منظومة الرعاية الصحية، مشيدًا بحضور الدكتور علي جمعة كشريك استراتيجي مهم، ومؤكدًا الالتزام بتطبيق أعلى معايير الجودة والتكنولوجيا في جميع مستشفيات المؤسسة. وبين تطوير الخدمات الطبية وتمكين التحول الرقمي ودعم الكوادر البشرية، يتشكل مشهد جديد للمؤسسة العلاجية عنوانه الطموح والعمل الجاد. ويبقى التحدي الأكبر هو ترجمة هذه الخطط إلى واقع ملموس يشعر به المواطن داخل المستشفى، حيث تصبح الخدمة الصحية حقًا مصانًا، لا مجرد وعد على طاولة الاجتماعات.