عبدالرحيم عبدالباري
في لحظة فارقة من تاريخ الطب المصري، لم تعد غرفة العمليات مجرد مساحة للجراح والمشرط، بل تحولت إلى مسرح تتداخل فيه الخبرة البشرية مع قوة الذكاء الاصطناعي، وتندمج فيه التكنولوجيا الحديثة مع أدق التفاصيل التشخيصية. من داخل مستشفى أحمد ماهر التعليمي، انطلقت شرارة علمية دولية تحمل ملامح المستقبل، عبر ورشة عمل متقدمة في مناظير الجهاز الهضمي ومناظير الفراغ الثالث والذكاء الاصطناعي، لتبعث برسالة واضحة مفادها أن مصر لم تعد على هامش التطور الطبي العالمي، بل أصبحت طرفًا فاعلًا في صناعته وتوطينه داخل منظومتها الصحية.

تأتي هذه الورشة في إطار الرؤية الاستراتيجية للهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، التي تضع تطوير العنصر البشري في صدارة أولوياتها، تنفيذًا لتوجيهات معالي الأستاذ الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، الذي يؤمن بأن البحث العلمي لم يعد ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة وطنية لصناعة منظومة صحية متطورة. فالطب الحديث بات قائمًا على تحليل البيانات الدقيقة، والاعتماد على الذكاء الاصطناعي، والانتقال من التشخيص التقليدي إلى التشخيص الذكي فائق الدقة، وهو ما تجسده هذه الورشة التي لم تكتفِ بإلقاء المحاضرات، بل نقلت الخبرات إلى أرض الواقع عبر تدريب عملي مباشر وحالات حية شديدة التعقيد.
وفي إطار التعاون الدولي وتبادل الخبرات الطبية المتقدمة، استضافت مستشفى أحمد ماهر التعليمي فعاليات الورشة يومي 7 و8 ديسمبر 2025 تحت رعاية الأستاذ الدكتور محمد مصطفى عبدالغفار، رئيس الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، في مشهد يعكس قوة الانفتاح العلمي بين مصر والصين. وقد شهدت الورشة حضورًا دبلوماسيًا وعلميًا رفيع المستوى؛ حيث شارك السيد لو تشون شنغ، الوزير المستشار بسفارة جمهورية الصين الشعبية في مصر، إلى جانب الأستاذة الدكتورة نغم عابد نائب رئيس الهيئة للبحوث العلمية والتطبيقية، والأستاذ الدكتور مصطفى القاضي مدير عام المستشفى، والأستاذ الدكتور محمد صالح عميد المعهد القومي للجهاز الهضمي والكبد، ليؤكد هذا الحضور أن الحدث تجاوز كونه تدريبًا طبيًا إلى كونه منصة تعاون دولي متقدمة.

وصرّح الأستاذ الدكتور محمد مصطفى عبدالغفار أن هذه الورشة تمثل ثمرة مباشرة لقرارات استراتيجية اتخذتها وزارة الصحة بإيفاد بعثات طبية متخصصة إلى الخارج، وعدم قصر التطوير على الجوانب الإدارية فقط، وهو تحول جوهري في فلسفة بناء الكوادر الطبية. فقد تدرب الأطباء المصريون بالفعل على أيدي كبار الخبراء الصينيين داخل الصين، وعادوا اليوم لنقل هذه الخبرات المتطورة إلى داخل المستشفيات المصرية، في نموذج عملي لتوطين التكنولوجيا الطبية بدل استيرادها فقط. وأكد أن هذه الفعاليات تضع مصر على خريطة التدريب العالمي في مجال المناظير المتقدمة، وتمنح الطبيب المصري أدوات تنافس بها في كبرى المراكز الدولية.
وشهدت الورشة عرضًا حيًا لأحدث تطبيقات مناظير الفراغ الثالث في تشخيص وعلاج أورام الجهاز الهضمي، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل صور المناظير بدقة غير مسبوقة، بما يسهم في رفع نسب الاكتشاف المبكر للأورام وتقليل نسب الخطأ الطبي. كما تم استعراض استخدام الروبوت في الجراحات والمناظير المتقدمة، في مشهد يعكس تحوّلًا جذريًا في أدوات العلاج المستقبلية. وأكدت العروض العملية أن وحدة مناظير الجهاز الهضمي المتقدمة بمستشفى أحمد ماهر أصبحت واحدة من أعلى الوحدات تجهيزًا وجاهزية على المستوى الإقليمي، وقادرة على تنفيذ أدق الإجراءات بأعلى معدلات الأمان.

ومن جانبه، أكد الأستاذ الدكتور مصطفى القاضي، مدير عام مستشفى أحمد ماهر التعليمي، أن الورشة مثلت فرصة استثنائية لتبادل المعرفة بين الخبرات المصرية من المستشفيات الجامعية والعسكرية والتعليمية، ونظرائهم من الخبراء الصينيين، في بيئة علمية عالية المستوى. وأوضح أن المشاركين أشادوا بالتنظيم المحكم والدقة التطبيقية، وهو ما يعكس تطورًا إداريًا وفنيًا داخل المستشفى. وأضاف أن إدارة المستشفى، بالتعاون مع الهيئة، ماضية في تنظيم المزيد من الفعاليات العالمية، إيمانًا بأن الاستثمار في التدريب هو الطريق الأقصر لرفع كفاءة الأطقم الطبية وتحسين جودة الخدمة المقدمة للمريض.
وشهدت الورشة مشاركة نخبة من كبار الخبراء من الجانبين، حيث شارك من الجانب الصيني البروفيسور لي بينج، نائب مدير مستشفى جامعة بكين، والبروفيسور لي وانج، رئيس قسم الجهاز الهضمي والمناظير بجامعة نانجينغ، إلى جانب عدد من خبراء المناظير الصينيين. ومن الجانب المصري، شارك نخبة من أساتذة الجهاز الهضمي بالهيئة والجامعات المصرية. وأشرف على التنظيم العلمي الأستاذ الدكتور محمد شعبان مدير وحدة المناظير المتقدمة، وشارك في اللجنة المنظمة الأساتذة: أحمد عبده يوسف، محمد شريف، أحمد نصر بخيت، بالتعاون مع مركز تدريب الأمانة العامة برئاسة الأستاذ الدكتور أحمد هيبة، في نموذج يعكس تكامل الجهود المؤسسية لإنجاح الفعاليات العلمية الكبرى.

لم تكن ورشة مناظير الجهاز الهضمي والذكاء الاصطناعي بمستشفى أحمد ماهر مجرد فعالية علمية عابرة، بل إعلانًا واضحًا عن دخول الطب المصري مرحلة جديدة تتجاوز حدود التقليد إلى آفاق الابتكار والمنافسة الدولية. هنا، لم تعد التكنولوجيا ضيفًا مؤقتًا، بل أصبحت شريكًا دائمًا في التشخيص والعلاج. ومع استمرار هذا النهج القائم على البحث العلمي والتعاون الدولي وبناء الإنسان، يثبت مستشفى أحمد ماهر أن المستقبل الطبي يُصنع اليوم، وأن مصر تمتلك من العقول والإمكانات ما يجعلها في قلب المشهد الطبي العالمي، لا على هامشه.