عبدالرحيم عبدالباري
في لحظة تُمثّل انتصارًا للصحة العامة وعنوانًا لنجاح الإدارة الوقائية في مصر، أعلنت منظمة الصحة العالمية رسميًا خلو مصر من الحصبة والحصبة الألمانية ومتلازمة الحصبة الألمانية الخلقية للعام الثالث على التوالي. إنجازٌ ليس وليد صدفة، بل حصيلة عمل ممنهج ورؤية استراتيجية قادتها وزارة الصحة والسكان عبر برنامج تطعيمات متكامل، أكد أن الوقاية ليست شعارًا صحيًا فحسب، بل مشروع دولة كاملة تسعى لحماية أطفالها ومستقبلها. في السطور التالية، قراءة تحليلية وتشويقية لما وراء هذا النجاح، وكيف تحولت مصر إلى نموذج إقليمي يُحتذى به في القضاء على الأمراض المعدية.

يأتي إعلان لجنة التحقق الإقليمية بمنظمة الصحة العالمية ليضع مصر في صدارة الدول التي تمكنت من الحفاظ على خلوها من الحصبة والحصبة الألمانية لثلاثة أعوام متتالية (2022 – 2023 – 2024). وهو إنجاز غير مسبوق في المنطقة استند إلى منظومة تطعيم قوية استطاعت الصمود أمام التحديات الوبائية العالمية، وتحقيق نسب تغطية استثنائية في القرى والنجوع والمناطق الحدودية. وما يعزز قيمة هذه الشهادة أنها جاءت بإجماع أعضاء اللجنة الدولية، الذين أكدوا أن التجربة المصرية تمتلك عناصر الاستدامة والاستجابة السريعة، وليس مجرد نجاح مؤقت أو محدود. إنها شهادة تعكس نضج المؤسسات الصحية المصرية وقدرتها على حماية المجتمع.
لم يكن هذا الإنجاز ليتحقق لولا البرنامج الموسع للتطعيمات بقطاع الطب الوقائي، الذي يواصل عمله وفق أرقى المعايير العالمية. فقد وفّر التطعيمات الروتينية مجانًا لكل طفل على أرض مصر دون تمييز، مع حملات موجهة للمناطق الأصعب وصولًا إلى البيوت في المجتمعات الريفية والبدوية. ويدعم البرنامج منظومة ترصد وبائي تشمل 55 مرضًا معديًا، تعمل بدقة وسرعة لتحديد أي بؤرة محتملة، حيث تُسند مهمة التشخيص إلى معامل مركزية على مستوى عالمي. وفي ظل هذه الجهود المتراكمة، باتت مصر اليوم إحدى الدول التي تخوض معركة الأمراض بخطة طويلة الأمد، وليس بردود فعل وقتية.
أكد الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، أن الحفاظ على هذا الإنجاز لم يكن معزولًا عن جهود ضخمة مبنية على التخطيط الاستراتيجي. فقد أشار إلى أن هذه النجاحات تأتي استكمالًا لسلسلة إنجازات كبرى، مثل القضاء على شلل الأطفال والتيتانوس الوليدي، وحصول مصر على الشهادة الذهبية كأول دولة في الإقليم تقضي على فيروس الالتهاب الكبدي «ب» لدى الأطفال. ويرى الوزير أن المنظومة الوقائية تمثل السور الأول لحماية المجتمع، وأن تعزيزها ركيزة أساسية ضمن رؤية مصر 2030 التي تضع الصحة العامة في مقدمة أولويات التنمية المستدامة.
من جانبه، أوضح الدكتور عمرو قنديل، نائب وزير الصحة والسكان، أن مبدأ «الوقاية خير من العلاج» أصبح اليوم معيارًا لقياس قوة الدول الحديثة. فالحكومات القادرة على حماية مواطنيها من الأمراض قبل وقوعها هي التي تملك المستقبل. وتُعدّ التجربة المصرية مثالًا واضحًا على هذا الفهم؛ حيث تتكامل جهود التوعية المجتمعية، وترصد الأمراض، وتتبع المخالطين، وبرامج التطعيمات، في منظومة واحدة تعمل بانسجام. هذه الاستراتيجية لم تقلل فقط نسب الإصابة، بل رسخت ثقافة صحية جديدة لدى الأسر المصرية تُدرك أهمية اللقاحات كسلاح فعّال لحماية الأطفال.
وأشار الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، إلى أن البرنامج الموسع للتطعيمات كان ولا يزال العامل الرئيسي وراء الإنجازات المتتالية في القضاء على الأمراض المعدية المستهدفة بالتطعيم. فالمتابعة الدورية، والالتزام بالمعايير الدولية، والاستجابة الفورية لأي ظهور محتمل، كلها عناصر صنعت هذا النجاح. كما أكد أن استمرار مصر في نيل إشادات منظمة الصحة العالمية ليس مجرد تقدير معنوي، بل نتاج عمل دؤوب وتنسيق مستمر بين كوادر الطب الوقائي وفرق الترصد والمراكز الصحية. نجاح يقف خلفه جيش من الأطباء والممرضين والمشرفين الصحيين المنتشرين في كل نقطة على الخريطة المصرية.
تؤكد وزارة الصحة والسكان أن الحفاظ على خلو مصر من الحصبة والحصبة الألمانية للعام الثالث على التوالي ليس مجرد رقم جديد في التقارير الدولية، بل هو انعكاس حقيقي لقوة التحول الرقمي والأنظمة الوقائية التي تشهدها المنظومة الصحية. كما يحمل هذا الإنجاز رسالة واضحة بأن مصر تمتلك نموذجًا صحيًا قادرًا على المنافسة إقليميًا ودوليًا. ومع التزام الدولة باستمرار التطوير، يصبح المستقبل الصحي لمصر أكثر استقرارًا، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات الوبائية العالمية، ما يجعلها ركيزة إقليمية في مجال مكافحة الأمراض.
إن خلو مصر من الحصبة والحصبة الألمانية للعام الثالث يختصر قصة نجاح عنوانها العمل الدؤوب، ورؤيتها حماية صحة كل طفل وأسرة على أرض الوطن. ومع استمرار جهود وزارة الصحة وبرامج التطعيم والترصد الوبائي، يتأكد أن ما تحقق ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة تُثبت أن مصر قادرة على قيادة المنطقة نحو مستقبل صحي أكثر أمانًا. إنها قصة وطن يؤمن بأن الصحة أساس التنمية، وأن حماية المواطن هي أولى أولويات الدولة.