في الوقت الذي لا تَكِل ولا تَمل فيه مصر عن أداء دورها التاريخي كدرعٍ للأمة وحصنٍ للقضية الفلسطينية، ودعمها المستمر لوقف إطلاق النار في غزة، تأتي اتصالات القيادة المصرية الحثيثة لتذليل عقبات السلام ووقف نزيف الدم. على وقع هذه الجهود الدؤوبة، وتزامناً مع اتصال هاتفي مهم جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون لبحث الأزمة الخانقة في قطاع غزة وتصعيدات الاحتلال غير المسبوقة، يصدر الحقوقي والمحلل البارز، الباحث في الشأنين العربي والدولي، نبيل أبوالياسين، بيانه الصحفي الاستثنائي هذا، ليحلل التداعيات ويلقي الضوء على الوقائع بلمسة إنسانية عميقة وقراءة استشرافية جريئة.
البيان العربي الإسلامي: صرخة ضد انتهاكات الاحتلال الصارخة
أمتد أبوالياسين في تحليله للبيان المشترك لوزراء خارجية ثماني دول عربية وإسلامية، مشيراً إلى أنه يمثل لحظة توافق تاريخي ترفع سقف المطالبة الدولية بمساءلة إسرائيل. ووضح أن البيان لم يكتفِ بإدانة اقتحام القوات الإسرائيلية لمقر وكالة الأونروا في حي الشيخ جراح بالقدس فحسب، بل وصف هذا الفعل بأنه “تصعيد مرفوض وانتهاك صارخ للقانون الدولي”. وأشار المحلل إلى أن قوة البيان تكمن في تأكيده أن دور “الأونروا غير قابل للاستبدال”، وهو تأكيد ينسف أي محاولات إسرائيلية أو دولية لتفكيك هذه الوكالة الحيوية أو تقويض شرعيتها.
الأونروا: لماذا هي الهدف؟ شريان حياة ومشروع مقاومة للتصفية
ولفت أبوالياسين النظر إلى أن الهجمة الإسرائيلية المنظمة على وكالة الأونروا ليست وليدة اللحظة، بل هي جزء من استراتيجية عميقة الجذور. ووضح أن إسرائيل ترى في الأونروا رمزاً دولياً متجسداً لقضية اللاجئين وحق العودة، وبالتالي فإن إضعافها يصب في مشروع التصفية السياسية للقضية. وأشار إلى أن الوكالة، من خلال مدارسها ومرافقها الصحية وشبكة أمانها الاجتماعي، تشكل “شريان حياة” لأكثر من 5.9 مليون لاجئ، مما يمنع الانهيار الكامل ويحفظ كرامة الإنسان في مواجهة مخططات التهجير والترانسفير. وأكد أن حماية الأونروا هي خط دفاع أول عن الحقوق الوطنية الفلسطينية.
اتصال السيسي-ماكرون: دبلوماسية مصرية تفضح التناقض الغربي
انتقل أبوالياسين لمناقضة اتصال القيادة المصرية، موضحاً أن حديث الرئيس السيسي للرئيس ماكرون حمل رسائل واضحة وحازمة. وأضاف أن الرئيس المصري، بينما أشاد بالدعم الفرنسي لجهود وقف إطلاق النار، فقد شدد على ضرورة “تثبيت” هذا الوقف الهش والانتقال الفوري لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام، والتي تشمل التعافي المبكر وإعادة الإعمار. ولفت المحلل إلى أن التأكيد المصري على “رفض الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية” ودعم السلطة الفلسطينية، يضع أوروبا أمام مسؤولياتها الأخلاقية، ويكشف التناقض بين خطابها الداعم لحقوق الإنسان وممارساتها السياسية المتخاذلة تجاه جرائم الاحتلال.
الوحدة العربية والإسلامية: الكفارة التاريخية وملء الفراغ
أشار أبوالياسين بجدية إلى النداء المصحوب بروح المسؤولية التاريخية الذي طالب بوحدة عربية وإسلامية فعلية. ووضح أن التحدي الآن يتجاوز البيانات الدبلوماسية إلى فعل ملموس. وأكد أن على الأمة أن تصطف خلف مصر في قيادة جهدين مركزيين: الأول، تمويل وإدارة عملية إعادة إعمار غزة بشكل كامل ومستقل يحفظ السيادة الفلسطينية. والثاني، تقديم الدعم القانوني والمالي والسياسي الكامل لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية. وأضاف أن ملء الفراغ الاستراتيجي برؤية عربية موحدة هو الضمانة الوحيدة لدرء التدخلات الأجنبية وإفشال المخططات التقسيمية.
بين الفرجة والمسؤولية.. اللحظة الفاصلة
وختم نبيل أبوالياسين بيانه الصحفي بكلمات نارية، محذراً من أن التاريخ يدون لحظات الفصل بين الأمم التي التزمت الصمت والأخرى التي انتصرت لكرامتها. وقال: ها هو الاختبار يُعرض من جديد على الضمير الجمعي للأمة؛ فإما أن نتحول من مرحلة الفرجة على المجازر إلى مرحلة الفعل الحاسم، أو نترك للأجيال القادمة إرثاً من العار والتبعية. الاتصال المصري الفرنسي والبيان العربي الإسلامي يقدمان خريطة طريق، لكن الطريق يحتاج إلى مشاة أشداء. إن دعم مصر ليس خياراً بل ضرورة، وحماية الأونروا ليست منّة بل واجب، وملاحقة مجرمي الحرب ليست رفاهية بل كفارة. لقد فاقت انتهاكات الاحتلال كل حد، ولم يعد أمامنا إلا أن نفيق من سباتنا، أو نُقبل يداً بيد على أقدس حقائقنا وهي تذوب تحت نيران التطهير العرقي والتآمر الدولي. المستقبل لن يرحم المتقاعسين، والشهداء ينتظرون العدالة من أيدينا لا من ضمير العالم الغائب.