عبدالرحيم عبدالباري
في وقت تتسابق فيه الدول على تحسين جودة الحياة وبناء منظومات صحية قادرة على الصمود والاستدامة، تبرز محافظة القاهرة كنموذج عملي لتكامل التخطيط والتنفيذ في قطاع الصحة. الأرقام لم تعد مجرد بيانات رسمية، بل تحولت إلى أدوات تسويق حقيقية لقوة المنظومة الصحية الحكومية وقدرتها على الوصول للمواطن أينما كان. تقديم أكثر من 19.2 مليون خدمة طبية خلال أقل من عام يعكس فلسفة جديدة قوامها الاستثمار في الإنسان، وترسيخ الثقة، وتحويل الخدمة الصحية من عبء خدمي إلى قيمة مضافة ضمن رؤية «مصر 2030».

إعلان وزارة الصحة والسكان عن تقديم 19 مليونًا و236 ألفًا و173 خدمة طبية في القاهرة خلال الفترة من يناير حتى أول ديسمبر 2025، يحمل دلالات تتجاوز الرقم ذاته. فهو يعكس حجم الطلب المتزايد على الخدمات الصحية الحكومية، ويؤكد نجاح السياسات التي وجه بها الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة والسكان، في توسيع نطاق الإتاحة وتحسين كفاءة التشغيل. هذا الحجم من الخدمات يشير إلى أن المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية لم تعد خيارًا بديلاً، بل أصبحت مقصدًا رئيسيًا لشرائح واسعة من المواطنين، وهو ما يعزز الصورة الذهنية للقطاع الصحي الحكومي كقطاع قادر على المنافسة والاستجابة للاحتياجات المتنوعة.
اللافت في هذه الحصيلة أن المستشفيات وحدها قدمت أكثر من 9.3 مليون خدمة، تنوعت بين الطوارئ، والعيادات الخارجية، والعمليات الجراحية، وجلسات الغسيل الكلوي، والرعايات المركزة، والحضانات، وصولًا إلى التشخيص عن بُعد في أربع مستشفيات. هذا التنوع يعكس استراتيجية تسويقية ذكية قائمة على تقديم حزمة خدمات متكاملة داخل المنشأة الواحدة، بما يقلل من انتقال المريض ويزيد من رضاه. كما تؤكد القوافل العلاجية، التي قدمت أكثر من 102 ألف خدمة عبر 61 قافلة، أن الوزارة لا تكتفي بالانتظار داخل الجدران، بل تتحرك بمرونة نحو المناطق الأكثر احتياجًا، ما يعزز العدالة الصحية والانتشار المجتمعي.

رفع كفاءة الأقسام الطبية واستحداث التخصصات الدقيقة في 12 مستشفى يمثل رسالة قوية بأن التطوير لا يقتصر على البنية الأساسية، بل يمتد إلى المحتوى الطبي نفسه. وحدات مناظير الجهاز الهضمي، ورسم المخ للأطفال، وعلاج التصلب المتعدد، وجراحات الوجه والفكين، وحقن البلازما، وعيادات السمعيات والتجميل والليزر، جميعها خدمات كانت تُسوَّق سابقًا باعتبارها حكرًا على القطاع الخاص. إدخال هذه التخصصات إلى المستشفيات العامة يعيد صياغة خريطة المنافسة الصحية، ويمنح المواطن خدمة متقدمة بتكلفة أقل، ويعزز ثقة المجتمع في قدرة الدولة على مواكبة الطب الحديث.
التوسع في استحداث وحدات الأعصاب، وإذابة الجلطات، وتجهيز جراحات القلب المفتوح، وتطوير مناظير الجهاز الهضمي والعظام والتجميل، يعكس انتقال المنظومة الصحية من مرحلة العلاج التقليدي إلى مرحلة التدخل السريع والمتخصص. إضافة عيادات التأهيل، والروماتيزم، ومخ وأعصاب الأطفال، والتغذية العلاجية، إلى جانب دعم خدمات الأطفال ذوي الهمم، يؤكد أن التخطيط الصحي أصبح أكثر شمولًا وحساسية للاحتياجات الخاصة. كما أن زيادة أسِرّة الرعاية المركزة والداخلي تمثل استثمارًا مباشرًا في عنصر الأمان الطبي والاستعداد للأزمات.

على مستوى الرعاية الأولية، فإن تقديم ما يقرب من 9.85 مليون خدمة في العيادات الصباحية والمسائية، والتطعيمات، وتنظيم الأسرة، والعلاج الطبيعي، يوضح أن الوزارة تراهن على الوقاية بقدر العلاج. اعتماد 13 مركزًا صحيًا من هيئة الاعتماد والرقابة الصحية، وتسجيل مراكز أخرى للاعتماد، يعد خطوة تسويقية مؤثرة تعزز الثقة في جودة الخدمة، وتضع معايير واضحة للأداء. الرعاية الأولية هنا لا تُقدَّم كخدمة هامشية، بل كخط الدفاع الأول عن صحة المجتمع، وأداة لتقليل الضغط على المستشفيات.
تطوير العنصر البشري كان حاضرًا بقوة في هذه المنظومة، من خلال افتتاح معهد تمريض، والإشراف على مدارس التمريض، وتنظيم آلاف الدورات التدريبية وورش العمل التخصصية. هذا الاستثمار في الكوادر يعكس فهمًا عميقًا بأن جودة الخدمة تبدأ من كفاءة مقدمها. إلى جانب ذلك، فإن تكثيف الحملات الرقابية على المنشآت الطبية والغذائية غير الحكومية يعزز بيئة صحية آمنة، ويؤكد أن الدولة لا تنافس فقط بالخدمة، بل تحمي المواطن أيضًا من الممارسات غير الآمنة، بما يرسخ مصداقية المنظومة ككل.

ما تحقق في القاهرة خلال عام واحد ليس مجرد إنجاز عددي، بل نموذج تسويقي متكامل لمنظومة صحية حكومية قادرة على التطوير، والمنافسة، وبناء الثقة المستدامة. الأرقام، والتخصصات، والاعتمادات، والتدريب، جميعها عناصر تصب في رسالة واحدة: الصحة أصبحت استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الإنسان المصري. ومع استمرار هذا النهج، تتحول القاهرة إلى واجهة صحية تعكس طموح الدولة في أن تكون الخدمة الطبية حقًا متاحًا، وجودة ملموسة، وقيمة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.