عبدالرحيم عبدالباري
في خطوة تحمل بعدًا إنسانيًا عميقًا ورسالة أمل لآلاف المرضى، أعلنت وزارة الصحة والسكان توقيع بروتوكول تعاون جديد يستهدف أحد أكثر الملفات إلحاحًا في القطاع الصحي، وهو القضاء على قوائم الانتظار لعمليات زراعة القرنية. المبادرة لا تتعلق فقط بإجراء جراحات، بل بإعادة حق أساسي للمرضى في الرؤية والحياة الكريمة، من خلال شراكة ذكية تجمع بين الدولة والقطاع المصرفي، وتترجم توجيهات القيادة السياسية إلى واقع ملموس يلامس احتياجات المواطنين الأكثر احتياجًا.

جاء توقيع بروتوكول التعاون بين صندوق مواجهة الطوارئ الطبية والأمراض الوراثية والنادرة، والبنك الزراعي المصري، تحت رعاية البنك المركزي المصري، ليؤكد أن مواجهة التحديات الصحية الكبرى تتطلب تكامل الأدوار بين مختلف مؤسسات الدولة. ويستهدف البروتوكول دعم عمليات زراعة القرنية والقضاء التام على قوائم الانتظار المرتبطة بها، في واحدة من أكثر الجراحات تأثيرًا على جودة حياة المرضى. هذه الخطوة تعكس إدراكًا عميقًا لأهمية صحة العيون، ليس فقط كخدمة طبية، بل كحق إنساني مرتبط بالقدرة على العمل والاندماج المجتمعي.
ويأتي هذا التعاون تنفيذًا مباشرًا لتوجيهات القيادة السياسية، وفي إطار المبادرة الرئاسية لإنهاء قوائم الانتظار في الجراحات الحرجة، والتي نجحت في تخفيف معاناة مئات الآلاف من المرضى خلال السنوات الماضية. ويركز البروتوكول بشكل خاص على المرضى غير القادرين، والحالات غير المشمولة بالتأمين الصحي، بما يعزز مبدأ العدالة الصحية وتكافؤ الفرص في الحصول على العلاج. كما يسهم في تخفيف الأعباء النفسية والاجتماعية عن الأسر التي ظلت لسنوات تنتظر دورها في رحلة علاج طويلة ومكلفة.
وقد جرى توقيع البروتوكول بحضور رفيع المستوى من الجانبين، حيث وقع الدكتور إبراهيم عبد العاطي، المدير التنفيذي لصندوق مواجهة الطوارئ الطبية، والأستاذة ميرا يوسف، رئيس مجموعة الاتصال المؤسسي بالبنك الزراعي المصري. وشهد مراسم التوقيع الأستاذ محمد أبو السعود الرئيس التنفيذي للبنك، والأستاذ سامي عبد الصادق نائب الرئيس التنفيذي، إلى جانب الأستاذة غادة توفيق وكيل محافظ البنك المركزي للمسؤولية المجتمعية. ويعكس هذا الحضور الواسع حجم الاهتمام المؤسسي بالمبادرة، واعتبارها نموذجًا ناجحًا للشراكة المجتمعية الفاعلة.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان والصندوق، أن البروتوكول يركز على تمويل شراء القرنيات اللازمة للمرضى المستحقين، مع ضمان إجراء العمليات الجراحية داخل المستشفيات الحكومية والأهلية والخاصة المتعاقدة، وفق أعلى الضوابط والمعايير الطبية المعتمدة. وأكد أن هذه الآلية تضمن سرعة التدخل الطبي، وجودة الخدمة المقدمة، وتوزيعًا عادلًا للفرص العلاجية، بما يحد من أي فجوات في تقديم الرعاية الصحية المتخصصة.
وأشار عبدالغفار إلى أن هذه الشراكة الجديدة ستسهم بشكل ملموس في تقليص فترات الانتظار، مستندة إلى تجارب ناجحة سابقة، حيث أسهم التعاون مع البنك المركزي المصري في إجراء نحو 750 عملية زراعة قرنية. ومع انضمام البنك الزراعي المصري، تجاوز عدد الحالات المدعومة أكثر من 1000 حالة، وهو ما أدى إلى خفض فترة الانتظار من سنوات طويلة إلى أقل من شهرين فقط. هذا التحول النوعي يعكس كيف يمكن للتخطيط السليم والدعم المالي الموجه أن يغير حياة المرضى جذريًا.
وثمّن المتحدث الرسمي الدور الوطني الذي يقوم به البنك الزراعي المصري في تعزيز الشراكات المجتمعية ودعم المبادرات الرئاسية ذات البعد الإنساني، مؤكدًا أن هذا التعاون يمثل نموذجًا يحتذى به في المسؤولية المجتمعية للمؤسسات المالية. كما شدد على أن دعم القطاع المصرفي للملفات الصحية الحساسة يسهم في بناء منظومة صحية أكثر مرونة وعدالة، ويعزز ثقة المواطنين في قدرة الدولة على تلبية احتياجاتهم الصحية الأساسية دون تمييز.
إن بروتوكول التعاون لدعم عمليات زراعة القرنية لا يمثل مجرد اتفاق إداري، بل قصة أمل تُكتب بمداد الشراكة والإنسانية. فحين تتكاتف مؤسسات الدولة مع القطاع المصرفي، تتحول قوائم الانتظار إلى فرص شفاء، ويتحول العجز إلى رؤية، واليأس إلى نور. ومع استمرار هذه النماذج الناجحة من التعاون، تقترب مصر خطوة جديدة من تحقيق حلم العدالة الصحية الكاملة، حيث لا يُترك مريض في ظلام الانتظار، ولا تُحجب الرؤية عن مستحقها.