في كل مرة أتابع فيها فعالية تحمل عنوان حقوق الإنسان، أسأل نفسي سؤالا بسيطا ومقلقا في نفس الوقت، هل ما زلنا نتحدث عن الإنسان حقا، أم عن منظومة فقدت الكثير من روحها تحت ضغط السياسة والمصالح والتناقضات؟ هذا السؤال ظل يلازمني وأنا أتابع فعاليات الدورة التدريبية التأسيسية السادسة – دورة محمد فايق -ليس فقط لأن الاسم يحمل تاريخا نضاليا ثقيل الوزن، بل لأن التوقيت نفسه بدا كأنه يختبر صدق الفكرة وجديتها في واحدة من أكثر اللحظات التباسا في التاريخ المعاصر لحقوق الإنسان.
فلم يكن اختتام الدورة حدثا بروتوكوليا عابرا في أجندة العمل الحقوقي العربي، بل جاء أقرب إلى لحظة تأمل جماعي في مسار طويل من النضال، وفي سؤال ملح، كيف يمكن لحقوق الإنسان أن تستعيد معناها وسط عالم يتآكل فيه اليقين وتتراجع فيه الثقة بالمنظومات الدولية؟
على مدار يومي 21 و22 ديسمبر 2025، احتضنت القاهرة هذه الدورة التي نظمها المجلس القومي لحقوق الإنسان برئاسة السفير محمود كارم، بالتعاون مع الشبكة العربية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، وبمشاركة كوادر شابة من عدة دول عربية، في مشهد يعكس إصرارا واضحا على الاستثمار في الإنسان بوصفه جوهر القضية الحقوقية ووسيلتها في آن واحد.
اختيار اسم الوزير محمد فايق ليحمل هذه الدورة لم يكن كما أكد الدكتور محمود كارم مجرد تكريم لاسم كبير، بل اعتراف صريح بقيمة مدرسة فكرية ونضالية متكاملة، فمحمد فايق، في الذاكرة الحقوقية العربية، ليس فقط مناضلا مخضرما، وإنما شاهدا ومشاركا في تشكيل وعي عربي ربط بين حقوق الإنسان وقضايا التحرر الوطني، وبين الكرامة الإنسانية والسلم والأمن وبناء الجسور بين الثقافات. هو اسم اختبر الفكرة في الميدان، لا في القاعات المغلقة فقط.
كارم، وهو يتحدث عن فايق، بدا وكأنه يستدعي نموذجا نفتقده اليوم، الحقوقي المستقل، الملتزم، طويل النفس، الذي لا يساوم على كرامة الإنسان، ولا يتعامل مع الحقوق بوصفها شعارا موسميا أو ورقة ضغط سياسية، ومن هنا جاءت دلالة هذه الدورة، التي أرادتها الشبكة العربية رسالة للأجيال الجديدة مفادها أن النضال الحقوقي الحقيقي يبدأ بالمعرفة، ويتجذر بالاستقلالية، ولا يزدهر إلا بالانفتاح والعمل الدؤوب.
أما الوزير محمد فايق نفسه، عميد الحقوقيين العرب، فقد وضع الإصبع على جرح مفتوح، حين أشار إلى أن انعقاد هذه الدورة يأتي في لحظة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب، تتراجع فيها الثقة بمنظومة حقوق الإنسان، وتتزايد فيها الصراعات والانتهاكات الجسيمة، ومع ذلك، شدد فايق على أن هذا التراجع لا ينبغي أن يدفع إلى اليأس، بل إلى التمسك أكثر بقيم حقوق الإنسان باعتبارها شرطا أصيلا للتنمية الحقيقية، والإصلاح السياسي والاجتماعي، بعيدا عن ازدواجية المعايير وتحت مظلة المصالح الوطنية وحقوق الشعوب.
حديث فايق لم يكن تنظيرا، بقدر ما كان تحميلا للمسؤولية، إذ أكد أن هذه المرحلة تفرض أعباء مضاعفة على المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في العالم العربي، سواء في دورها التوعوي داخل مجتمعاتها، أو في حضورها الإقليمي والدولي عبر شبكات التعاون، فالعمل الحقوقي – كما وصفه – ليس مهنة عادية، بل رسالة إنسانية نبيلة، غايتها الأولى الحفاظ على إنسانية الإنسان وصون حقوقه، وحماية حق الشعوب في العيش بكرامة.
وقد عكست محاور الدورة هذه الرؤية الشاملة، حيث تناولت المنظومة الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان، ودور المؤسسات الوطنية وفق مبادئ باريس، وآليات التعاون مع المجتمع المدني وأصحاب المصلحة، في محاولة جادة لتعزيز قدرات المشاركين وتمكينهم من أدوات الفهم والعمل، لا الاكتفاء بالشعارات.
في المحصلة، بدت دورة محمد فايق وكأنها تقول للمشاركين إن حقوق الإنسان ليست ترفا فكريا، ولا خطابا موجها للخارج، بل معركة وعي طويلة، تبدأ من الإيمان بالإنسان، وتنتهي فقط حين يصبح الحق ممارسة يومية لا استثناء مؤلما