تاريخيًا، لم يكن نبيل أبوالياسين حريصًا على تعقب كلّ تغريدة أو خطاب في واشنطن، لأنّه يدرك جيدًا أن السياسة الحقيقية تُصنع في الظل. غير أنّ ما صدر مؤخرًا على لسان السيناتور الأمريكي المخضرم ليندسي غراهام، وهو يربط صراحةً الفوز بالرئاسة الأمريكية بالولاء المطلق لإسرائيل، لم يكن خطابًا عابرًا. بل كان، كما وصفه أبوالياسين، “اعترافًا رسميًا وعلنيًا بمحاكمة القرار السيادي الأمريكي في محكمة تل أبيب، وسقطة تاريخية تسقط معها كلّ ذرائع النزاهة وادعاءات الوساطة التي ترفعها واشنطن”. هذا التصريح، بحسب رأي أبوالياسين، ليس مجرد بيان سياسي، بل هو وثيقة إدانة قطعية تُثبت أن قلب صنع القرار في البيت الأبيض والكونغرس لم يعد ينبض لمصلحة المواطن الأمريكي أو لقيم العدل الدولية، بل تحت وطأة الرشاوى السياسية والابتزاز المالي الذي تمارسه لوبيات الدم.
التصريح التاريخي: إسقاط القناع ووثيقة الإدانة
تعتبر تصريحات غراهام، التي وصفت إسرائيل بأنها “صفقة جيدة” لأمريكا من الناحية الاستراتيجية والأمنية، ذروة جبل الجليد. فقد أكد في مناسبات عديدة أن الدعم لإسرائيل هو “شرط العبور” إلى البيت الأبيض لمن يريد الترشح عن الحزب الجمهوري، وهو ما يعد إقرارًا صريحًا بسيطرة أجندة خارجية على المسار الديمقراطي الداخلي الأمريكي. وأوضح أبوالياسين أن هذا الاعتراف ينسف أي ادعاء أمريكي بالحياد، محولًا واشنطن من وسيط مزعوم إلى شريك كامل في الصراع، حيث تُستخدم الأموال والسلاح الأمريكي لتمويل ما وصفته منظمات دولية بإبادة جماعية في غزة. وأشار إلى أن هذا هو المعنى الحقيقي للتبعية الاستراتيجية، حيث تُقدم مصالح لوبي ضيق على مصالح الشعب الأمريكي والأمن الدولي.
بورصة الدم: كيف تشتري أيباك القرار الأمريكي؟
لم تعد علاقة الدعم بين واشنطن وتل أبيب قائمة على الاعتبارات الأمنية وحدها، بل تحولت إلى “بورصة دم” حقيقية، حيث تحدد الأموال مواقف السياسيين. ووضحت تحقيقات صحفية وتقارير من منصات متخصصة مثل “أيباك تراكر” أن اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة “أيباك” تضخ ملايين الدولارات في الحملات الانتخابية لضمان دعم لا يتزعزع لإسرائيل. هذه الأموال ليست تبرعات مجردة، بل هي استثمار سياسي بفائدة عالية: ضمان تدفق المليارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين كمساعدات عسكرية، ومنع أي صوت ناقد من الصعود. وأضاف أبوالياسين أن هذه الآلية خلقت نظامًا من “الرعب السياسي” يقمع حرية التعبير، حيث يتم فصل الموظفين وتشويه سمعة النشطاء والمسؤولين المنتخبين لمجرد انتقادهم سياسات إسرائيل، كما حدث مع مؤسس منصة “أيباك تراكر” نفسه. مما يجعل الناخب والمرشح الأمريكي شريكين في الجريمة بحكم الصمت والقبول. وهكذا تتحول بورصة الدم في واشنطن إلى قوائم شهداء في غزة.
من الكونغرس إلى غزة: جسر من الرشاوى ينقل الموت
أشارت تحليلات إلى أن هذه “الرشاوى المقننة” لها عواقب ميدانية مروعة ومباشرة. ففي الوقت الذي يرفض فيه الكونغرس، المتأثر بهذه الضغوط المالية، فرض شروط إنسانية على المساعدات، تستمر المعاناة في غزة. وقد وصفت منظمات مثل “مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية “CAIR” خطط بيع أسلحة بقيمة 6 مليارات دولار لإسرائيل بأنها “تتعارض مع القانون الدولي” وتؤدي إلى مزيد من القتل. وأكد أبوالياسين أن كل رصاصة تُطلق بدعم أمريكي، وكل طفل يموت بسبب الحصار، هو نتاج طبيعي لهذه الدورة الفاسدة في واشنطن. إن المواقف السياسية المشتراة بالمال تتحول إلى قرارات بإنكار المساعدات وإطالة أمد المعاناة، مما يحوّل صمت الناخب الأمريكي إلى تواطؤ، وقبوله السياسي إلى إدانة أخلاقية.
الطريق إلى السيادة: لا خلاص في أروقة الكونغرس المؤجرة
وضح تحليل الاتجاهات الجيوسياسية العالمية أن الاعتماد على وسيط فقد نزاهته هو طريق مسدود. إن صعود “الجنوب العالمي” وتحول دول مؤثرة مثل المملكة العربية السعودية والإمارات نحو استراتيجيات التنويع والاستقلال يقدم نموذجًا مغايرًا. وأمد أبوالياسين الحجة بالقول إن الاعتراف الأمريكي بالتبعية يجب أن يكون الجرس الذي يوقظ القادة العرب إلى حتمية بناء تحالفات سيادية مستقلة. وقد بدأت إشارات هذا اليقظة بالظهور في تحركات عملية، كالمبادرة المصرية الجادة نحو تفعيل استراتيجية الدفاع المشترك مع السودان، والتي تُترجم الوعي النظري بالخطر إلى إطار عملي لحماية الأمن القومي بعيداً عن الوصاية الأمريكية المنحازة. هذا هو الرد الاستراتيجي الطبيعي على نظام في واشنطن يبيع قراره في “بورصة الدم” ويرهن ولاءه لمن يدفع أكثر. هذا النهج، الذي يعزز التضامن الإقليمي الحقيقي، هو بداية الطريق نحو سياسة خارجية لا ترتهن لإرادة قوة عظمى واحدة.
التحرك المصري السيادي: من تحليل التبعية إلى تفعيل الدفاع المشترك
في مواجهة اعترافات “التبعية المطلقة” في واشنطن وتجارة النفوذ في “بورصة الدم” بالكونغرس، لم تكن الاستجابة العربية مجرد خطابات استنكار. لقد بدأت تتبلور في تحركات عملية تترجم الوعي بالخطر إلى سياسات دفاعية. وأوضح المحللون أن التحرك المصري نحو تفعيل وتعزيز اتفاقية الدفاع المشترك مع السودان – وهي خطوة استراتيجية ذات أبعاد تتجاوز الحدود الثنائية – يمثل النموذج الأبرز لهذا التحول، لا كمناورة سياسية عابرة بل كإعادة هندسة استراتيجية للعلاقات الدفاعية العربية تستند إلى المصالح المتبادلة والتهديدات المشتركة وأضاف أبوالياسين أن هذه المبادرة ليست مجرد اتفاق أمني تقليدي، بل هي رسالة سياسية واضحة: لقد سقطت ثقة القوى الإقليمية الفاعلة في “الوسيط” المنحاز، وبدأت في صياغة أمنها القومي خارج النموذج الوصائي الذي تفرضه واشنطن. هذا المسار، إن توّجه تحالفات سيادية أوسع في المنطقة، يصبح هو الرد العملي الوحيد على نظام سياسي في أمريكا يضع ولاءه للوبيات فوق التزامه بالاستقرار الدولي. المستقبل الإقليمي سيُكتب بإرادة تلك الدول التي ترفض أن تكون أرصدتها أو أمنها رهناً لتقلبات الكونغرس الأمريكي.
دعوة اليقظة وانتزاع المستقبل
وختم نبيل أبوالياسين بيانه الصحفي بالتأكيد على أن كلمات غراهام كانت نعمة مختفية في ثوب النذالة، فقد كشفت الحقيقة التي طالما جرى تزييفها. لقد سقط القناع عن “الوسيط النزيه” لتظهر تحته وجه الشريك الكامل، المدين بالولاء لمن يملأ جيوبه. أمام هذه الوثيقة التاريخية للإدانة، فإن الدعوة ليست لمزيد من الاستجداء، بل ليقظة تاريخية. يدعو أبوالياسين الناخب الأمريكي الشريف إلى تحمّل مسؤوليته، ويحث الشعوب العربية وقادتها على قطع حبال التبعية الوهمية. المستقبل لا يُستجدى من مزاد علني في “بورصة الدم” بواشنطن، بل يُنتزع بإرادة وطنية صلبة، ووحدة لا تتزعزع، واستعادة كاملة للسيادة على القرار. لقد انتهى زمن الوهم، وبدأ زمن الحقيقة والموقف.