عبدالرحيم عبدالباري
تواصل الدولة المصرية، عبر وزارة الصحة والسكان، تنفيذ رؤية طموحة تهدف إلى إحداث نقلة نوعية في مستوى الخدمات الطبية المقدمة داخل المستشفيات الحكومية، خاصة في التخصصات الدقيقة التي تتطلب خبرات عالية وتقنيات متقدمة. ويأتي مشروع استقدام الخبراء الدوليين كأحد النماذج العملية لترجمة هذه الرؤية على أرض الواقع، حيث يجمع بين علاج الحالات الحرجة مجانًا، وتدريب الأطباء، ونقل أحدث الممارسات الطبية العالمية. وفي هذا الإطار، برزت زيارة خبير دولي في علاج أمراض الشرايين التاجية كنقطة مضيئة تؤكد قدرة المنظومة الصحية على مواكبة التطور العالمي.

ضمن هذا التوجه، أعلنت وزارة الصحة والسكان عن تقديم خدمات تشخيصية وعلاجية مجانية لعدد من الحالات القلبية المعقدة بمستشفى الشيخ زايد التخصصي، وذلك خلال زيارة الدكتور خالد تمام، الخبير الدولي في علاج حالات الانغلاق الكلي المزمن للشريان التاجي (CTO). وشملت الزيارة إجراء أربع قساطر قلبية معقدة لمرضى كانوا يعانون من انسدادات مزمنة يصعب علاجها بالطرق التقليدية. وتمثل هذه التدخلات المتقدمة فرصة حقيقية للمرضى لاستعادة جودة حياتهم دون اللجوء إلى جراحات كبرى أو تحمل تكاليف باهظة، بما يعكس التزام الدولة بحق المواطن في علاج آمن ومتطور.
وتأتي هذه الجهود تنفيذًا لتوجيهات الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، الذي يضع تطوير خدمات الطوارئ والقلب ضمن أولويات العمل الصحي. ويهدف مشروع استقدام الخبراء إلى الاستفادة القصوى من التجارب الدولية الناجحة، ليس فقط عبر إجراء العمليات المعقدة، بل من خلال التدريب العملي ونقل الخبرات بشكل مباشر للأطباء المصريين. ويعكس هذا النهج قناعة راسخة بأن بناء قدرات الكوادر الطبية هو الأساس الحقيقي لاستدامة التطوير، وضمان استمرار تقديم خدمات عالية الجودة داخل المستشفيات التابعة للوزارة.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن الزيارة تضمنت إجراء أربع قساطر قلبية معقدة باستخدام تقنية الشنيور الكهربائي (ROTA)، والتي تعد من أحدث التقنيات العالمية لعلاج الانسدادات الشديدة والمتكلسة في الشرايين التاجية. وأكد أن هذه التقنية تمثل بديلًا فعالًا لجراحات القلب المفتوح في كثير من الحالات، بما يقلل من المخاطر وفترات التعافي. كما شدد على أن جميع الإجراءات تمت مجانًا بالكامل، في رسالة واضحة تؤكد أن الدولة تتحمل تكلفة العلاج المتقدم حفاظًا على صحة المواطنين.
ومن جانبها، أكدت الدكتورة هنادي محمد، رئيس قطاع تنمية المهن الطبية، أن الوزارة تسعى إلى تحقيق توازن بين تقديم الخدمة العلاجية الفورية، وبناء منظومة تدريب مستدامة تواكب التطور السريع في العلوم الطبية. وأشارت إلى أن زيارة الخبير الدولي شملت برامج تدريبية عملية ونظرية للأطباء الشباب، بما يسهم في رفع كفاءتهم المهنية.
كما أوضحت الدكتورة مها إبراهيم، رئيس أمانة المراكز الطبية المتخصصة، أنه تم تنظيم يوم علمي موسع تناول أحدث تقنيات القسطرة القلبية، ما أتاح للأطباء فرصة الاطلاع المباشر على الخبرات العالمية وتطبيقها داخل بيئة العمل المحلية.
وفي إطار الدور التنظيمي والتنموي لأمانة المراكز الطبية المتخصصة، أكد الدكتور أحمد رزق، نائب رئيس أمانة المراكز الطبية المتخصصة، أن استقدام الخبراء الدوليين يعكس رؤية استراتيجية تستهدف توطين العلاج المتقدم داخل مصر.
وأوضح أن هذه الزيارات لا تقتصر على تحقيق نتائج علاجية آنية، بل تسهم في إعداد جيل جديد من الأطباء القادرين على التعامل مع أعقد الحالات وفقًا للمعايير العالمية.
وأضاف أن الأمانة تعمل على توسيع نطاق هذه البرامج لتشمل تخصصات طبية متعددة، بما يضمن تحقيق العدالة الصحية ورفع كفاءة المستشفيات المتخصصة على مستوى الجمهورية.
من جانبه، أشار الدكتور صلاح جودة، مدير مستشفى الشيخ زايد التخصصي، إلى أن هذه الزيارة تمثل إضافة قوية لجهود المستشفى في دعم المبادرة الرئاسية لإنهاء قوائم الانتظار.
وأوضح أن المستشفى نجح خلال العام الحالي في إجراء نحو 3000 قسطرة قلبية تشخيصية وعلاجية، من بينها 94 حالة CTO بتكلفة تصل إلى 250 ألف جنيه للحالة، و66 حالة باستخدام تقنية IVUS، و15 حالة بتقنية ROTA بتكلفة تتجاوز 100 ألف جنيه للحالة، إضافة إلى 82 حالة منظمات قلب و50 حالة TAVI بتكلفة تقارب مليون جنيه للحالة الواحدة، وجميعها تمت على نفقة الدولة مع معدلات نجاح عالمية للعام السابع على التوالي.
في المحصلة، تعكس هذه التجربة الناجحة نموذجًا متكاملًا للتطوير الصحي القائم على الشراكة بين الخبرة العالمية والإرادة الوطنية. فاستقدام الخبراء، وتوفير العلاج المجاني، وتدريب الكوادر الطبية، تمثل معًا مسارًا واضحًا نحو بناء منظومة صحية قادرة على تلبية احتياجات المواطنين بكفاءة وعدالة. ومع استمرار هذه الجهود، يترسخ دور المستشفيات الحكومية كمراكز تميز طبي، ويصبح المريض المصري في قلب عملية التطوير، مستفيدًا من أحدث ما توصل إليه العلم، داخل وطنه ودون أعباء مالية.