عبدالرحيم عبدالباري
في تحرك يعكس جدية الدولة في فرض سيادة القانون وحماية الفئات الأكثر احتياجًا للرعاية، تحركت وزارة الصحة والسكان بشكل فوري وحاسم تجاه ما أُثير حول إحدى المنشآت غير المرخصة التي تدّعي علاج الإدمان بمنطقة المريوطية بمحافظة الجيزة. ويؤكد هذا التدخل السريع أن ملف علاج الإدمان لم يعد مجالًا للعبث أو الاستغلال، بل يخضع لرقابة صارمة تضع كرامة الإنسان وسلامته النفسية والجسدية في مقدمة الأولويات، وتغلق الباب أمام أي كيانات وهمية تتاجر بآلام المرضى تحت لافتات زائفة.
جاءت بداية الواقعة عقب تداول واسع على مواقع التواصل الاجتماعي لمقاطع ومعلومات تشير إلى هروب جماعي لعدد من الأشخاص من منشأة تدّعي تقديم خدمات علاج الإدمان، مصحوبة بادعاءات خطيرة تتعلق بسوء المعاملة وغياب أبسط المعايير الإنسانية. وعلى الفور، تابعت وزارة الصحة والسكان هذه التطورات ببالغ الاهتمام، واعتبرت ما تم تداوله ناقوس خطر يستدعي التدخل العاجل. ويعكس هذا التحرك السريع إدراك الوزارة لحساسية هذا النوع من القضايا، خاصة حين يتعلق الأمر بمرضى يحتاجون إلى الرعاية والدعم لا القمع أو الإهمال.
وبناءً على توجيهات عاجلة، شنت لجان التفتيش التابعة للإدارة المركزية للمنشآت الطبية غير الحكومية، بالتنسيق الكامل مع الجهات الأمنية، حملة ميدانية على المنشأة محل الواقعة. وأسفرت أعمال الفحص عن ثبوت أن المصحة غير مرخصة وتمارس نشاطها بالمخالفة الصريحة للقانون، في صورة انتحال لصفة منشأة طبية. كما ثبت تعارض نشاطها مع أحكام قانون المنشآت الطبية غير الحكومية رقم 51 لسنة 1981 المعدل، وقانون الصحة النفسية رقم 71 لسنة 2009، بما يشكل تهديدًا مباشرًا لسلامة المرضى ويكشف حجم المخاطر الناتجة عن انتشار مثل هذه الكيانات غير الشرعية.
وفي ضوء ما كشفته نتائج التفتيش، أكدت وزارة الصحة والسكان اتخاذ إجراءات قانونية فورية وحاسمة، شملت الغلق النهائي للمنشأة غير المرخصة، وإحالة القائمين عليها إلى النيابة العامة للتحقيق في جميع الوقائع والادعاءات المرتبطة بها. وتؤكد هذه الخطوة أن الدولة لن تتهاون مع أي جهة تحاول الالتفاف على القوانين أو استغلال معاناة مرضى الإدمان لتحقيق مكاسب غير مشروعة، وأن يد القانون ستطال كل من يعبث بصحة المواطنين أو ينتهك حقوقهم الأساسية.
وفي سياق أوسع، شددت الوزارة على استمرار حملاتها التفتيشية المكثفة على المنشآت الطبية غير المرخصة في جميع محافظات الجمهورية، بمشاركة المجلس القومي للصحة النفسية والأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، وبالتعاون مع وزارة الداخلية. وقد أسفرت هذه الحملات خلال عام 2025 عن إغلاق مئات المنشآت المخالفة، من بينها أكثر من 112 منشأة في النصف الأول من العام، و25 مركزًا في يوليو، و15 مركزًا آخر في أكتوبر بمحافظة الجيزة، في رسالة واضحة تؤكد أن الرقابة ليست موسمية بل مستمرة واستباقية.
وفي مقابل هذه الإجراءات الرادعة، تحرص وزارة الصحة والسكان على التأكيد أن الدولة لا تكتفي بإغلاق المخالف، بل توفر البديل الآمن والإنساني. حيث تتوافر خدمات علاج الإدمان مجانًا وبسرية تامة داخل مستشفيات الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان المنتشرة بجميع المحافظات. كما تتيح الوزارة سبل الدعم والاستشارة من خلال الخط الساخن 16023، بما يضمن وصول المرضى وأسرهم إلى خدمات علاجية معتمدة تقوم على أسس علمية وتحترم كرامة الإنسان وحقوقه.
ودعت الوزارة المواطنين وأسر المرضى إلى توخي الحذر والتأكد من ترخيص أي منشأة قبل التعامل معها، وعدم الانسياق وراء الإعلانات المضللة أو الوعود الزائفة بالشفاء السريع. كما شددت على أهمية الإبلاغ الفوري عن أي مخالفات عبر الخط الساخن للمجلس القومي للصحة النفسية 01207474740 (اتصال أو واتساب)، أو من خلال الصفحات الرسمية للمجلس على مواقع التواصل الاجتماعي، باعتبار أن الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الفوضى الطبية.
ختامًا، تؤكد وزارة الصحة والسكان أن معركتها ضد المنشآت غير المرخصة، خاصة تلك التي تستغل مرضى الإدمان، هي معركة مستمرة لا تقبل التراخي أو المساومة. فحماية المريض وصون كرامته خط أحمر، وتطبيق القانون هو الضمان الحقيقي لبناء منظومة علاجية إنسانية وآمنة. ومع استمرار الحملات الرقابية وتوسيع مظلة الخدمات العلاجية المجانية، ترسخ الدولة رسالة حازمة مفادها: لا مكان للفوضى أو الاستغلال في ملف صحة المواطن.