عبدالرحيم عبدالباري
لم تعد الصحة النفسية ملفًا هامشيًا أو ترفًا مؤجلًا في منظومة الرعاية الصحية، بل أصبحت أحد أعمدة الاستقرار المجتمعي وحجر الزاوية في بناء الإنسان القادر على العمل والإنتاج والتعايش. وفي هذا الإطار، يأتي إعلان وزارة الصحة والسكان عن تشكيل لجنة عليا لتنظيم ممارسة مهنة العلاج النفسي لغير الأطباء النفسيين، كخطوة فارقة تعكس وعي الدولة بحساسية هذا المجال وخطورته في آن واحد. فالعلاج النفسي ليس كلمات عابرة أو اجتهادات فردية، بل ممارسة علمية دقيقة تتطلب تنظيمًا صارمًا يحمي المريض ويصون المهنة ويغلق أبواب الفوضى والدجل.
تشكيل اللجنة العليا برئاسة الدكتور محمد عبد الحكيم، رئيس الإدارة المركزية للشؤون العلاجية، يمثل ترجمة عملية لأحكام قانون تنظيم ممارسة العمل في مجال الصحة النفسية، ويعكس إرادة حقيقية لتطبيق القانون على أرض الواقع. هذه الخطوة لا تستهدف التضييق على الممارسين، بقدر ما تهدف إلى وضع حدود فاصلة بين الممارسة المهنية العلمية، وبين الادعاء غير المشروع الذي انتشر في السنوات الأخيرة مستغلًا معاناة المرضى. التنظيم هنا ليس إجراءً إداريًا باردًا، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية لحماية فئة شديدة الهشاشة تحتاج إلى عناية خاصة وضمانات حقيقية.
انعقاد أول اجتماعات اللجنة في أكاديمية الأميرة فاطمة للتعليم الطبي المستمر يحمل دلالة مهمة، مفادها أن التطوير والتدريب المستمر هما الأساس في بناء منظومة علاج نفسي حديثة. ما ناقشته اللجنة من آليات عمل وضوابط ومعايير لمنح التراخيص يعكس توجهًا علميًا منضبطًا، يعتمد على المؤهل، والخبرة، والالتزام بالقواعد المهنية، وليس على الشهرة أو التسويق عبر المنصات الرقمية. فإرساء إطار تنفيذي واضح لمهام اللجنة يضمن الشفافية، ويضع حدًا لحالة الالتباس التي سادت هذا المجال لسنوات.
حديث الدكتور حسام عبد الغفار عن أهداف اللجنة يكشف عن فلسفة شاملة لا تكتفي بإصدار التراخيص، بل تمتد إلى الرقابة والمتابعة وتفعيل ميثاق أخلاقيات المهنة. فالخطر الحقيقي في العلاج النفسي لا يكمن فقط في غياب المؤهل العلمي، بل في غياب الضمير المهني والانضباط الأخلاقي. ومن هنا، يصبح الالتزام بميثاق أخلاقي ملزم شرطًا أساسيًا، يحكم علاقة المعالج بالمريض، ويمنع الاستغلال النفسي أو المادي، ويضمن أن تكون مصلحة المريض هي البوصلة الوحيدة للممارسة.
تشكيل اللجنة بعضوية نخبة من كبار أساتذة الطب النفسي وعلم النفس، وممثلي الجهات المعنية، يعكس حرص الدولة على أن يكون القرار جماعيًا ومتوازنًا، لا يخضع لرؤية أحادية. هذا التنوع في الخبرات يضمن مراعاة الأبعاد الطبية والنفسية والقانونية والأمنية، ويعطي ثقة أكبر في القرارات الصادرة. كما أن وجود ممثلين عن النقابة والرابطات المهنية يؤكد أن التنظيم يتم بالشراكة مع أهل المهنة، وليس بمعزل عنهم، بما يحفظ حقوق الجميع ويعزز القبول المجتمعي.
الموافقة على منح تراخيص لـ23 متقدمًا بعد فحص أوراقهم وإجراء المقابلات الشخصية تؤكد أن الدولة لا تغلق الباب، بل تفتحه وفق معايير واضحة. هذه الرسالة في غاية الأهمية، لأنها تشجع الممارسين الجادين على تصحيح أوضاعهم، والانخراط في الإطار القانوني، بدلًا من العمل في الظل. كما أنها توضح أن الترخيص ليس إجراءً شكليًا، بل عملية تقييم حقيقية لقدرة المتقدم على تحمل مسؤولية التعامل مع النفس البشرية بكل تعقيداتها وحساسيتها.
تشديد وزارة الصحة على استمرار الحملات التفتيشية، وعدم السماح بممارسة المهنة خارج الإطار القانوني، يعكس توجهًا حازمًا لحماية الصحة العامة. فالعلاج النفسي غير المنضبط قد يكون أكثر خطرًا من غيابه، لما يسببه من أضرار نفسية عميقة يصعب علاجها لاحقًا. التنظيم هنا ليس فقط لحماية المرضى، بل أيضًا لحماية سمعة المهنة نفسها، ودعم الممارسين الملتزمين الذين يعملون بجد في بيئة تنافسها الفوضى والادعاءات الزائفة.
إن تشكيل اللجنة العليا لتنظيم ممارسة مهنة العلاج النفسي لغير الأطباء النفسيين يمثل نقطة تحول حقيقية في مسار الصحة النفسية بمصر. هو إعلان صريح بأن الدولة قررت أن تضع العقل الإنساني تحت مظلة الحماية والرعاية، وأن تنهي عصر الفوضى والاجتهادات غير العلمية. وبين القانون، والعلم، والأخلاق، تتشكل منظومة جديدة تعيد الثقة في العلاج النفسي، وتؤكد أن الإنسان، بصحته النفسية، يظل في قلب مشروع الدولة لبناء مجتمع متوازن وقادر على المستقبل.