كل يوم جمعة، حين أقضي عطلة نهاية الأسبوع في قريتنا تصفا بمركز كفر شكر، أجد نفسي محاطا بشكاوى أهلي وجيراني، أصوات صغيرة لكنها حقيقية، تتحدث عن مشاكل بسيطة يفترض أن تحل بسهولة، لكنها تتكرر دون إجابة، من هنا أدركت أن المشكلة لم تعد في غياب الجهد أو كثرة المشروعات، بل في غياب الإحساس الحقيقي بما يعيشه المواطن، الدولة تعمل، والمشروعات تقام، لكن شيئا ما ينكسر فى الطريق بين القرار وحياة الناس، ومن هذا الواقع اليومي يخرج السؤال الذى يفرض نفسه بإلحاح، لماذا لا يشعر المواطن بأن ما يتحقق على الأرض يقترب فعليا من يومه، وبيته، واحتياجاته البسيطة؟
المواطن لا يقيس الدولة بعدد القرارات، ولا بحجم المشروعات المعلنة، بل يقيسها بما يصل إلى جيبه، وبيته، وشارعه، ومدرسة أولاده، والمستشفى التى يتعالج فيها، يقيسها بسهولة الخدمة، وعدالتها، واستمرارها دون عناء أو استثناء.
فى كثير من الأحيان، يشعر المواطن أن الدولة حاضرة فى التحصيل، وغائبة فى الخدمة، حاضرة فى الفواتير، والرسوم، والالتزامات، لكنها بعيدة عندما يتعلق الأمر بإصلاح شكوى بسيطة، أو حل مشكلة يومية، أو محاسبة مقصر، هنا تتشكل فجوة خطيرة بين ما يقال، وما يعاش.
القرارات فى حد ذاتها ليست مشكلة، بل إن كثرتها قد تكون دليلا على حيوية الدولة، المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتعثر هذه القرارات فى الطريق إلى التنفيذ، أو تطبق بشكل غير عادل، أو لا تصاحبها رسالة واضحة تشرح للمواطن لماذا اتخذ القرار، ومتى سيشعر بنتيجته.
الإدارة المحلية تمثل الحلقة الأضعف فى هذه السلسلة، فهى الواجهة المباشرة بين المواطن والدولة، ومع ذلك ما زالت تعانى من ضعف الكفاءة، وبطء الاستجابة، وأحيانا غياب المحاسبة، المواطن لا يرى الوزير، لكنه يرى موظف الحى، ولا يسمع عن المبادرة القومية، لكنه ينتظر خدمة بسيطة تنجز فى وقتها.
المواطن المصرى، على عكس ما يصور أحيانا، لا يطلب المستحيل، لا يطالب بمعجزات، ولا يرفض الإصلاح، بل يتحمل كثيرا حين يشعر بالعدالة والصدق، ما يطلبه هو أن يشعر أن الدولة عادلة فى التطبيق، واضحة فى القرارات، وقريبة فى التنفيذ.
استعادة الثقة لا تحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى إدارة أفضل، وتواصل أكثر صدقا، ورسائل تضع المواطن شريكا لا متلقيا فقط، حين يشعر المواطن أن الدولة فى خدمته كما هى فى جيبه، سيتحول الصبر إلى دعم، والتحمل إلى انتماء.
المطلوب هو تفعيل حقيقى للإدارة التنفيذية، وربط تقييم القيادات بمدى رضا المواطن لا بعدد التقارير المكتوبة، المطلوب أيضا شفافية أبسط وأقرب، تشرح للناس ماذا يحدث ولماذا، ومتى سيشعرون بالنتيجة، حين تصبح خدمة المواطن معيار النجاح الأول، وحين يشعر الناس أن الشكوى تسمع وتحل، لا تحفظ فى الأدراج، ستعود الثقة تلقائيا، وسيدرك المواطن أن الدولة ليست بعيدة عنه، بل تقف إلى جواره، وتعمل من أجله، لا فوقه.