ليست البلطجة الأمريكية في العالم سلوكًا طارئًا أو انحرافًا مؤقتًا في مسار السياسة الدولية، بل هي عقيدة راسخة تشكلت عبر عقود طويلة، تقوم على فكرة أن القوة وحدها تصنع الشرعية، وأن من يمتلك السلاح والمال والإعلام يملك حق إعادة تشكيل الدول والأنظمة وفق مصالحه. وما جرى في فنزويلا من اختطاف رئيس دولة وزوجته من أرضهما لا يمكن قراءته كحدث منفصل، بل كصفحة جديدة في كتاب الهيمنة المفتوح الذي لا يعترف بسيادة ولا يحترم إرادة الشعوب.
الولايات المتحدة لا تتحرك بدافع الأخلاق كما تدّعي، بل بدافع الحسابات الباردة، حيث تُقاس الدول بمدى خضوعها أو تمرّدها. فإذا كانت مطيعة تُكافأ، وإذا قررت أن تسلك طريقًا مستقلًا تبدأ مرحلة العقاب التدريجي، من حصار اقتصادي خانق، إلى تشويه سياسي، إلى إشعال اضطرابات داخلية، وصولًا في بعض الحالات إلى التدخل المباشر أو الاختطاف تحت أي لافتة جاهزة. فنزويلا دفعت ثمن امتلاكها قرارها وثروتها، ودفعت ثمن رفضها أن تكون مجرد خزان نفط تحت الوصاية الأمريكية.
العوائد التي تجنيها واشنطن من هذا السلوك لا تتوقف عند إسقاط شخص أو إخراج رئيس من المشهد، بل تتجاوز ذلك إلى ترسيخ فكرة الرعب السياسي. الرسالة الموجهة للعالم واضحة وصريحة، من يخرج عن الخط المرسوم قد يلقى المصير نفسه، دون محاكمة عادلة، ودون احترام للقانون الدولي، ودون حتى خجل دبلوماسي. هذه الرسالة تُستخدم لابتزاز الدول الأخرى، ودفعها إلى تقديم تنازلات اقتصادية وسياسية خوفًا من العصا الأمريكية الغليظة.
النفط الفنزويلي حاضر بقوة في خلفية المشهد، فالدول الغنية بالموارد الطبيعية غالبًا ما تكون مسرحًا مفتوحًا للتدخلات. السيطرة غير المباشرة على القرار السياسي تعني في النهاية التحكم في الثروات، وتوجيهها بما يخدم الشركات العملاقة ومراكز النفوذ المالي في واشنطن. وهنا تتحول الشعوب إلى مجرد أرقام في تقارير، بينما تُدار مصائرها من غرف مغلقة لا تعرف سوى لغة المصالح.
أما عن دور إسرائيل، فلا يمكن تجاهله أو فصله عن هذا السياق العالمي. إسرائيل ليست مجرد حليف للولايات المتحدة، بل شريك أساسي في صياغة كثير من سياساتها، خاصة تجاه الدول التي ترفع شعارات الاستقلال أو تتخذ مواقف مناهضة للهيمنة الغربية. كل دولة تخرج عن العباءة الأمريكية تصبح تلقائيًا موضع قلق إسرائيلي، لأن أي نموذج استقلالي ناجح يشكل خطرًا على منظومة السيطرة التي تستفيد منها تل أبيب سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
إسرائيل ترى في أي دولة رافضة للهيمنة الأمريكية تهديدًا غير مباشر لها، حتى وإن كانت بعيدة جغرافيًا. فالمعادلة واضحة، إضعاف الدول الحرة ونشر الفوضى وإسقاط النماذج المستقلة يصب في صالح الكيان الذي يقوم في الأساس على اختلال ميزان القوة في المنطقة والعالم. ومن هنا يأتي الدعم الإسرائيلي الصريح أو الخفي لأي تحرك أمريكي يضرب استقرار الدول الخارجة عن الطاعة، سواء في الشرق الأوسط أو أمريكا اللاتينية.
البلطجة الأمريكية، المدعومة إسرائيليًا، لا تهدف فقط إلى إخضاع دولة بعينها، بل إلى إعادة رسم الخريطة الذهنية للعالم، بحيث يصبح الاعتراض جريمة، والمقاومة مغامرة خاسرة، والاستسلام خيارًا عقلانيًا. هذه السياسة تُنتج عالمًا هشًا تحكمه المخاوف لا القيم، وتُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق السيد والتابع لا بمنطق الشراكة والاحترام المتبادل.
والأحداث المتلاحقة تأتي لتؤكد أن أخطر ما في البلطجة الأمريكية العالمية ليس الفعل نفسه، بل اعتياده وتطبيعه في الوعي الجمعي الدولي، حتى يصبح اختطاف رئيس دولة أو انتهاك سيادة شعب خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار. حينها يفقد القانون الدولي معناه، وتتحول المؤسسات العالمية إلى ديكور سياسي، وتصبح العدالة مفهومًا انتقائيًا يُستخدم ضد الضعفاء فقط. إن ما حدث في فنزويلا يفتح الباب أمام مستقبل مظلم إذا استمر الصمت، لأن السكوت على الظلم اليوم يعني القبول به غدًا، والرضا به بعد غد.
وفي النهاية، قد تحصد الولايات المتحدة وإسرائيل مكاسب آنية من هذه السياسات، وقد تبدو القوة في أوجها، لكن التاريخ لا يحابي المتغطرسين، ولا يمنح الظلم شهادة خلود. فالقوة التي لا يضبطها ضمير، ولا يقيدها قانون، تتحول مع الزمن إلى عبء ثقيل على أصحابها، وتوقظ مقاومات لم تكن في الحسبان. وستبقى الحقيقة ثابتة مهما حاولوا طمسها، أن الشعوب قد تُقهر لكنها لا تنكسر، وأن الهيمنة مهما طال عمرها تحمل في داخلها بذور سقوطها، وأن العدالة وإن تأخرت، لا تموت.