إنه وفي فجر الثالث من يناير 2026، لم تكن السماء فوق كاراكاس تمطر قذائف فحسب، بل كانت تمطر الذرائع التي طالما انتظرها الكرملين. مع اعتقال القوات الخاصة الأمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما جواً، سقط أكثر من مجرد قصر رئاسي؛ سقط المبدأ الذي كان يكبّل أطماع القوى العظمى. في الكرملين، لم يرقبوا المشهد بقلق، بل بابتهاج صامت: لقد كسرت واشنطن بنفسها حصانة سيادة الدول، وهيأت الأرضية لتهديدات ستفجّر أمن القارة العجوز. مُطِلقةً الباب على مصراعيه لفوضى ستكون روسيا أكبر مستفيد منها. يتربص العالم الآن على حافة الهادي، يتساءل: هل كسر ترامب نظاماً طاغياً، أم وهب بوتين ‘إجازة مفتوحة’ ليفعل ما يشاء؟.
تكتيك “الصاعقة”: الليلة التي هزت أمريكا اللاتينية
بتخطيط دقيق وباستخدام وحدات “دلتا” الخاصة وطائرات “أوسبري” القادرة على الإقلاع العمودي، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية خاطفة وصاعقة. استهدفت العملية مواقع رئيسية في العاصمة كاراكاس، بما في ذلك مقر إقامة مادورو وقاعدة عسكرية تضم طائرات مقاتلة من طراز إف-16، وسط تشويش إلكتروني شل أنظمة الدفاع والاتصال. ما أثار الدهشة والريبة هو السرعة التي انهارت بها الدفاعات والسكون الغامض لمنظومات “إس-300” المتطورة، مما يرجح فرضية وجود “تواطؤ داخلي” أو ترتيب مسبق مع عناصر في الجيش الفنزويلي سمحت بإتمام الاعتقال في غضون دقائق معدودة. هذه العملية، التي وُصفت بأنها الأكثر جرأة منذ غزو بنما في عام 1989، وتحديداً في 20 ديسمبر، لم تكن مجرد غارة؛ بل كانت رسالة واضحة للعالم أجمع عن قدرة واشنطن النارية وقدرتها على الوصول إلى أي مكان.
موسكو: ربح اللعبة بخسارة الحليف
رغم الإدانة الروسية الرسمية للعملية باعتبارها “خرقاً غير مقبول للسيادة”، يكشف تحليل أعمق عن مشهد أكثر تعقيداً. وفقاً لتقارير، يعبر بعض المسؤولين الروس سراً عن ارتياحهم لأن واشنطن “تخلت عن القانون الدولي” وتبنت سياسة “القوة تصنع الحق”، مما يمنح موسكو غطاء أخلاقياً لأفعالها المستقبلية. الأكثر إثارة هو كشف صحيفة نيويورك تايمز عن عرض روسي سابق لواشنطن قبل سنوات، يقضي بمقايضة غير معلنة: حرية التحرك الأمريكي في فنزويلا مقابل “إطلاق اليد” الروسية في أوكرانيا. وبينما رُفض العرض رسمياً، إلا أن الأحداث الحالية قد تكون تحقيقاً عملياً لهذه المعادلة، حيث يبدو أن موسكو تزن خسارة حليف إقليمي ضد المكاسب الجيوسياسية الأوسع وفرصة إضعاف المبدأ الذي أدان غزوها لأوكرانيا. إنها لعبة إستراتيجية باردة، تُقاس نتائجها بموازين القوة، لا بالمواثيق الدولية.
تلميحات ميدفيديف المرعبة: هل بدأ موسم “صيد الرؤساء”؟
لم تتأخر موسكو في استثمار “سقطة واشنطن” القانونية لتحويلها إلى سلاح ترهيب فوق رؤوس القادة الأوروبيين؛ ففي تصريح زلزل أركان برلين، لوّح ديمتري ميدفيديف بإمكانية تكرار “سيناريو مادورو” لاختطاف المستشار الألماني “فريدريش ميرتس”، واصفاً الأمر بأنه “منعطف بارز في هذه السلسلة الكرنفالية”. هذا التهديد الروسي الصريح يعكس الانهيار التام للحصانة الدبلوماسية؛ فبمجرد أن شرعنت أمريكا خطف القادة تحت ذريعة الملاحقة الجنائية، منحت الكرملين الضوء الأخضر لفتح “موسم صيد” سياسي لا يستثني أحداً. ورغم محاولات الحكومة الألمانية طمأنة الرأي العام بفعالية أجهزتها الأمنية، إلا أن الرسالة الروسية وصلت: إذا كان ترامب قد جعل من كاراكاس ساحة للاختطاف، فإن برلين وغيرها من العواصم لم تعد بمنأى عن هذا الجنون، ليتحول العالم إلى غابة لا يحمي فيها القائدَ سوى “أنياب” دولته النووية أو حصونها العسكرية.
رد فعل بيونغ يانغ: الصواريخ كرسالة وحيدة
لم تكن كوريا الشمالية لتترك هذا الحدث العالمي الخطير يمر دون أن توجه رسالة واضحة وقاسية. في اليوم التالي للعملية الأمريكية، أطلقت بيونغ يانغ صواريخ باليستية وفرط صوتية كجزء من تجارب عسكرية أشرف عليها الزعيم كيم جونغ أون شخصياً. ووفقاً للمراقبين، هذه ليست مجرد منناورة روتينية؛ بل هي صيحة تحذير مدوية مفادها: “نحن لسنا فنزويلا”. تُفهم هذه الخطوة على أنها تأكيد من النظام الكوري الشمالي على أن ترسانته النووية والصاروخية هي الضمانة الوحيدة ضد مصير مشابه، في عالم يبدو أن القوة العسكرية المتقدمة أصبحت فيه اللغة الوحيدة التي يفهمها الأقوياء. إنها إشارة خطيرة إلى أن مثل هذه الإجراءات الأحادية قد تدفع الدول “المارقة” إلى تعزيز برامج التسلح بدلاً من التراجع عنها، مما يزيد من حدة التوترات العالمية.
زلزال فنزويلا: نهاية “نزع السلاح” وولادة عهد البلطجة النووية
ولم يكن رد فعل بيونغ يانغ مجرد عرض عسكري، بل كان إيذاناً بنهاية حقبة.
وإن ما أقدم عليه ترامب في فنزويلا لم يكن مجرد مغامرة عسكرية، بل هو “صك غفران” تاريخي قدمه لكل القوى العظمى لاستباحة جيرانها؛ فاليوم لم يعد للحديث عن نزع السلاح النووي أي قيمة، إذ بات السلاح النووي هو الحصن الوحيد الذي يمنع “القراصنة” من اختطاف رؤساء الدول من غرف نومهم. هذه السابقة الخطيرة ستشجع الصين حتماً على حسم ملف تايوان، وتمنح روسيا الضوء الأخضر لابتلاع أوكرانيا تحت ذريعة “حماية السيادة بأسلوب ترامب”. وفي الوقت الذي تتصاعد فيه المطالبات بمحاكمة ترامب دولياً بتهمة الاختطاف، تبرز التساؤلات الحارقة حول استباق هذه العملية بلقاء حميم مع “نتنياهو”؛ فكيف يستقبل البيت الأبيض مجرماً هارباً من العدالة الدولية ومطلوباً للجنايات الدولية، بينما يختطف رئيساً لم تتلطخ يداه بدم الأبرياء؟ إن هذا اللقاء المريب يضع واشنطن وتل أبيب في خندق واحد لإدارة “نادي الإجرام الدولي”، حيث تُرسل الرسالة للعالم بوضوح: “نحن فوق القانون، والعدالة هي ما نقرره نحن فقط”، مما يدفع الكوكب نحو مرحلة من الانفجار الجيوسياسي الذي لن تبقي ولن تذر.
الأمم المتحدة وحقوق الإنسان: كرة بينغ بونغ أم ضمير العالم؟
في موقف يعكس الإحباط العميق، حذر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان من تحويل حقوق الإنسان إلى “كرة بينغ بونغ أيديولوجية”. بينما أدان مكتبه لسنوات انتهاكات نظام مادورو الجسيمة، إلا أن استخدام هذه الانتهاكات كمبرر للعمل العسكري الأحادي الجانب يضعف النظام الدولي بأكمله. الخطر الحقيقي، كما يرى المحللون، هو أن هذا الإجراء يشكل سابقة تُفرغ الأمم المتحدة من دورها كآلية لحفظ السلم، وتُضعف الثقة في سيادة القانون الدولي. عندما تتجاوز دولة بمفردها الحدود وتتخذ دور المدعي والجلاد، فإنها لا تحل أزمة حقوق إنسان بل تعمق أزمة النظام العالمي، وتدعو إلى فوضى يصعب احتواؤها، حيث تحل شريعة الأقوى محل القانون.
لندن الحذرة: المليارات تغلب على المبادئ
تجسد بريطانيا المأزق الذي وجدت فيه العديد من حلفاء أمريكا التقليديين. فمن جهة، وصفت حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر نظام مادورو بأنه “غير شرعي”، لكنها امتنعت بعناية فائقة عن تأييد أو إدانة العملية العسكرية الأمريكية بشكل صريح. هذا الصمت الذهبي، والتأخير لأكثر من 16 ساعة في الرد، يكشف عن حجم الحيرة الدبلوماسية. تواجه لندن ضغوطاً متعارضة: بين تيار داخل حزب العمال يطالب بالتمسك بالمبادئ والقانون الدولي، وبين مصلحة قومية تقتضي الحفاظ على “العلاقة الخاصة” مع واشنطن. في هذا الميزان، يبدو أن الخوف من استعداء إدارة ترامب، والطمع في تأمين اتفاقيات تجارية واستثمارات تقنية ضخمة، قد رجح كفة الصمت البراغماتي على حساب الموقف المبدئي.
اعتراف ترامب الصارخ: النفط هو الهدف، دافعوا الفاتورة
كسر دونالد ترامب كل الأقنعة في تصريحات مباشرة، حيث أعلن أن الفارق الجوهري بين غزو العراق والتدخل في فنزويلا هو أن أمريكا “ستحتفظ بالنفط” هذه المرة. وفي خطوة تثير الجدل، اقترح أن يتم تعويض شركات النفط الأمريكية الكبرى مثل شيفرون وإكسون من قبل دافعي الضرائب الأمريكيين مقابل قيامها باستثمارات بمليارات الدولارات لإعادة بناء البنية التحتية النفطية المدمرة في فنزويلا. ورغم تأكيده أن شركات النفط “مستعدة وراغبة” في ذلك، إلا أن تقارير تشير إلى أن هذه الشركات نفسها لم تكن على علم بالعملية ولم تجرِ محادثات مسبقة مفصلة مع البيت الأبيض. هذا الكشف يضع النقاط على الحروف، ويحول العملية من حملة لـ “إنفاذ القانون” أو “تحرير الشعب” إلى مشروع استعماري اقتصادي واضح، حيث تصبح الموارد الوطنية لدولة ذات سيادة غنائم مكشوفة وجائزة للتقسيم.
فوضى جديدة.. وعهد بلا مرجعية
وختامًا: إن ما جرى في فنزويلا ليس نهاية قصة، بل افتتاحية مروعة لفصل جديد في السياسة العالمية. لقد أطلقت واشنطن العنان لنفسها وللقوى الأخرى، فأصبح بوتين أكثر حرية في أوكرانيا بعد أن سقطت الحجة القانونية في يديه، وأصبح كيم جونغ أون أكثر تمسكاً بصواريخه كضمان وحيد للبقاء، وأصبح ستارمر وحلفاؤه أكثر صمتاً تحت وطأة المصالح. العالم لم يعد أمام نظام دولي مريض فحسب، بل أمام فراغ أخلاقي وسياسي خطير. إن سابقة اختطاف رئيس دولة وإخضاعه لمحاكمة في بلد آخر هي سلاح ذو حدين سيعود ليطال الجميع. اليوم ترتعد فنزويلا تحت وطأة الغزو، وغداً قد ترتعش دول أخرى عندما تكتشف أن سيادتها لم تكن سوى “وجهة نظر” في عصر القوى العظمى. إنها صحوة قاسية على حقيقة أن السلام العالمي كان أكثر هشاشة مما تخيلنا، وأن جدار القانون الذي حمينا به أنفسنا من الفوضى قد تحول إلى ستار من الدخان، اختفى في ليلة واحدة من القصف في كاراكاس، تاركاً الإنسانية في العراء.