لم يعد ممكنا النظر إلى المشهد العام في مصر اليوم بمعزل عن حضور وتأثير شباب جيل «زد»، ذلك الجيل الذي ولد في نهاية التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة، ونشأ في عالم مختلف تماما عن العالم الذي عرفته الأجيال السابقة، عالم مفتوح بلا حواجز، سريع الإيقاع، تحكمه التكنولوجيا وتعيد تشكيله المنصات الرقمية، ومن واقع متابعتي اليومية لحركة الشارع، وما يدور على مواقع التواصل الاجتماعي، أرى أن هذا الجيل لا يمكن اختزاله في صورة نمطية واحدة، ولا يجوز التعامل معه باعتباره جيلا عابرا أو هامشيا، بل هو كتلة بشرية ضخمة تشكل الحاضر وتؤثر في المستقبل القريب بشكل مباشر، شباب «زد» في مصر لم يعرفوا الدولة المركزية المغلقة، ولا الإعلام أحادي الصوت، بل تشكل وعيهم في فضاء مفتوح، يتلقون فيه المعلومة من مصادر متعددة، ويقارنون ويحللون، وربما يشككون أحيانا، وهو ما جعلهم أكثر جرأة في طرح الأسئلة، وأقل قابلية لتلقي الخطاب الجاهز، وهم في تقديري لا يرفضون الدولة ولا يعادون المجتمع، بقدر ما يرفضون التناقض بين ما يقال وما يعاش، وبين الوعود الكبيرة والواقع الضاغط. هذا الجيل يبحث بالأساس عن فرصة حقيقية للحياة، عن عمل يوفر له كرامة واستقرارا، وعن نظام يشعره بأن الجهد يكافأ، وأن الطريق مفتوح أمام المجتهد لا أمام صاحب الواسطة، ومن هنا يمكن فهم ميلهم إلى العمل الحر، والهجرة الرقمية، وصناعة المحتوى، والابتعاد عن الوظيفة التقليدية التي لم تعد في نظرهم تحقق الطموح ولا الأمان.
تأثير شباب «زد» لا يظهر في المظاهرات ولا في القاعات المغلقة، بل في الفضاء الرقمي، حيث يمكن لفيديو بسيط أو تعليق ساخر أن يصنع رأيا عاما، أو يغير اتجاه نقاش، أو يفرض قضية على جدول الاهتمام العام، وهم وإن بدوا بعيدين عن السياسة بمعناها الكلاسيكي، إلا أنهم شديدو الحساسية تجاه القضايا العامة، يتفاعلون مع الاقتصاد، والتعليم، والعدالة الاجتماعية، لكن بلغتهم الخاصة وأدواتهم المختلفة. ومن وجهة نظري، فإن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن نرتكبه هو مخاطبة هذا الجيل بعقلية الوصاية أو التخويف، أو الاكتفاء بتشخيصه بوصفه جيل السوشيال ميديا، فهؤلاء الشباب يمتلكون وعيا متراكما، وقدرة على التمييز، لكنهم في الوقت نفسه محبطون من بطء التغيير، وضيق المسارات، وغياب الحوار الحقيقي.
شباب «زد» ليسوا جيل الرفض الدائم كما يقال، بل جيل ينتظر من يأخذه على محمل الجد، ويشركه لا أن يستخدمه، ويستمع إليه لا أن يتحدث عنه، وأعتقد أن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة يجب أن يكون على بناء جسور ثقة مع هذا الجيل، وتطوير خطاب واقعي صادق، يعترف بالتحديات قبل أن يعدد الإنجازات، لأن كسب شباب «زد» لا يكون بالشعارات، بل بالفعل، ولا بالحديث عنهم، بل بالحديث معهم، فهم في النهاية ليسوا أزمة يجب احتواؤها، بل طاقة يجب استثمارها، ومن دونهم لن يكون لأي مشروع وطني مستقبل مستدام.
ومن خلال تواصلي المستمر مع شباب هذا الجيل، في النقاشات اليومية وعلى منصات التواصل الاجتماعى، أدركت أن الفجوة الحقيقية ليست فجوة وعي، بل فجوة ثقة ومساحة، هؤلاء الشباب لا يرفعون شعارات صدامية، بل يبحثون عن فرصة حقيقية ليكونوا جزءا من المشهد لا على هامشه، تمكين شباب «زد» لم يعد رفاهية ولا خيارا مؤجلا، بل ضرورة مجتمعية وأمنا للمستقبل، فالدولة التي تنجح في الاستماع إلى شبابها، وإشراكهم بجدية، هي الدولة القادرة على تحويل الهدف إلى طاقة، والاحتجاج الصامت إلى مشاركة واعية، والجيل القلق إلى شريك حقيقي في البناء والاستقرار.