عبدالرحيم عبدالباري
في وقتٍ أصبحت فيه سرعة الحصول على الخدمة الطبية مسألة حياة أو موت، تتحرك وزارة الصحة والسكان بخطوات عملية على الأرض، لا تكتفي بالقرارات المكتبية ولا بالبيانات الرسمية، بل تذهب مباشرة إلى مواقع تقديم الخدمة، حيث يقف المريض منتظرًا، وحيث تختبر السياسات قدرتها الحقيقية على تخفيف الألم. جولات ميدانية يقودها مسؤولو المجالس الطبية المتخصصة تكشف عن رؤية جديدة عنوانها الحوكمة، والإنصاف، واحترام حق المواطن في علاج كريم دون تعقيد أو تأخير.

تنفيذًا لتوجيهات الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، جاءت تحركات قيادات المجالس الطبية المتخصصة لتؤكد أن ملف العلاج على نفقة الدولة يحظى بأولوية قصوى داخل المنظومة الصحية. فهذه التوجيهات لم تقتصر على تحسين الإجراءات نظريًا، بل ركزت على حوكمة حقيقية تضمن الشفافية، وسرعة الإنجاز، ومنع أي تعقيدات غير مبررة قد تعوق وصول المريض للعلاج. ومن هذا المنطلق، قاد الدكتور محمد العقاد، مدير عام المجالس الطبية المتخصصة، فريقًا ميدانيًا لمتابعة التنفيذ الفعلي لهذه التوجيهات داخل المستشفيات، والتأكد من أن القرارات تُترجم إلى خدمة ملموسة يشعر بها المواطن البسيط قبل غيره.
شملت الجولة عددًا من المستشفيات الحيوية بمحافظتي القاهرة والجيزة، من بينها مستشفى المنيرة العام، ومستشفى أم المصريين، ومستشفى إمبابة العام، وهي مستشفيات تخدم قطاعات واسعة من المواطنين. وخلال المرور الميداني، تم تفقد مكاتب العلاج على نفقة الدولة، ومراجعة آليات العمل داخلها، والاطلاع على مدى التزامها بالإجراءات المعتمدة. كما تم رصد أي قصور محتمل في مستوى الخدمة، سواء كان إداريًا أو فنيًا، مع التأكيد على اتخاذ إجراءات تصحيحية فورية دون تأجيل، في رسالة واضحة بأن أي خلل لن يُسمح باستمراره على حساب صحة المرضى.

ولم تقتصر الجولة على المتابعة الشكلية، بل حرص فريق المجالس الطبية المتخصصة على التواصل المباشر مع المرضى وذويهم داخل المستشفيات. هذا التواصل الإنساني كشف عن معوقات واقعية يواجهها المواطن أثناء تقديم طلبات العلاج، مثل طول الإجراءات أو غموض بعض الخطوات. واستمع الفريق بعناية إلى شكاوى المرضى واستفساراتهم، وسعى إلى حلها في الحال كلما أمكن، بما يعكس فلسفة جديدة تقوم على أن المريض شريك أساسي في تطوير الخدمة، وليس مجرد متلقٍ صامت ينتظر دوره وسط الزحام.
وفي إطار استكمال الجهود، عقد فريق المجالس الطبية المتخصصة اجتماعًا موسعًا مع مديري المستشفيات ومسؤولي نفقة الدولة بمديريتي القاهرة والجيزة. تناول الاجتماع شرح الإجراءات الصحيحة والمستحدثة لإصدار قرارات العلاج على نفقة الدولة، مع التركيز على تقليل الخطابات الإدارية غير الضرورية وتسريع دورة العمل. كما فتح المجال أمام الحضور لطرح الاستفسارات والمقترحات، في مناخ حواري يعكس إدراك الوزارة لأهمية التنسيق بين المستويات المختلفة، وتحقيق التكامل بدلًا من التعقيد الذي طالما شكّل عبئًا على المرضى.

وامتدت الجولة لتشمل المجلس الطبي العام بالجيزة، حيث تم تفقد انتظام سير العمل والإجراءات الإدارية والفنية، والتأكد من تقديم الخدمات بالكفاءة المطلوبة. ويُعد المجلس الطبي العام أحد الأعمدة الأساسية في المنظومة الصحية، نظرًا لتنوع الخدمات التي يقدمها، بدءًا من الكشف لتحديد المستحقين لكارت الخدمات المتكاملة، مرورًا بطالبي معاش تكافل وكرامة، ووصولًا إلى الكشف على طالبي الرخص المهنية ورخص السلاح، والمتقدمين لمدارس التمريض والمعاهد الفنية الصحية. وقد أجرى الفريق حوارات مباشرة مع المواطنين داخل المجلس، بهدف إزالة أي معوقات وضمان رضاهم عن مستوى الخدمة المقدمة.
عكست الجولة روح العمل الجماعي داخل وزارة الصحة، حيث رافق الدكتور محمد العقاد عدد من القيادات التنفيذية، من بينهم الدكتور إسحاق جميل وكيل الوزارة بالجيزة، والدكتورة سماح جاد وكيلة المديرية بالجيزة، والدكتور تامر مدكور رئيس قطاع الصحه بالقاهره، والدكتور محمد عيد وكيل مديرية القاهرة، إلى جانب نواب مدير عام المجالس الطبية المتخصصة، الدكتور محمد ابو المجد، والدكتوره ريهام الملا. هذا الحضور القيادي الميداني حمل رسالة واضحة للعاملين بالمستشفيات مفادها أن المتابعة الجادة مستمرة، وأن تحسين الخدمة مسؤولية مشتركة، لا تقف عند حدود إصدار القرار، بل تمتد حتى يتلقى المريض علاجه دون عناء.
ما جرى في مستشفيات القاهرة والجيزة ليس مجرد جولة تفقدية عابرة، بل خطوة ضمن مسار إصلاحي أوسع يسعى إلى إعادة الثقة في منظومة العلاج على نفقة الدولة. فحين تنزل القيادات إلى أرض الواقع، وتستمع للمواطن، وتصحح الأخطاء فورًا، تتحول القرارات من أوراق رسمية إلى أمل حقيقي في شفاء أسرع وعدالة صحية أوسع. ويبقى الرهان قائمًا على استمرار هذه الجولات، لترسيخ مبدأ أن حق العلاج ليس منّة، بل التزام أصيل لا يقبل التأجيل.