عبدالرحيم عبدالباري
لم يعد الحديث عن تطوير المنظومة الصحية في مصر مجرد شعارات أو خطط مؤجلة، بل أصبح واقعًا ملموسًا تؤكده الأرقام والإنجازات على الأرض. وفي هذا السياق، تبرز الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية كنموذج وطني متقدم في الإدارة الصحية المتكاملة، حيث حمل عام 2025 ملامح تحول حقيقي جمع بين التوسع في الخدمات العلاجية، ودعم البحث العلمي، وبناء القدرات البشرية، وتحديث البنية التحتية. أرقام غير مسبوقة تعكس حجم الجهد المبذول، ورؤية واضحة تضع المريض، والعلم، والتدريب في قلب منظومة صحية حديثة تواكب المستقبل بثبات وثقة.
قدمت الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية خلال عام 2025 ما يقرب من 14.4 مليون خدمة علاجية، في إنجاز يعكس القدرة التشغيلية العالية للمستشفيات والمعاهد التابعة لها، ويؤكد ثقة المواطنين المتزايدة في هذه المؤسسات. هذا الرقم الضخم لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تخطيط دقيق، وتطوير مستمر، واستثمار حقيقي في العنصر البشري والتجهيزات الطبية. تنوعت الخدمات بين العيادات الخارجية، والطوارئ، والرعايات المركزة، والأقسام الداخلية، بما يضمن تقديم رعاية صحية شاملة تستجيب لاحتياجات المرضى في مختلف التخصصات، وعلى مدار الساعة.
استقبلت العيادات الخارجية وحدها نحو 4.2 مليون متردد، ما يعكس اتساع قاعدة الخدمة وسهولة الوصول إليها، في حين تعاملت أقسام الاستقبال والطوارئ مع 1.6 مليون حالة، وهو مؤشر واضح على جاهزية المستشفيات للتعامل مع الحالات الحرجة والطارئة بكفاءة وسرعة. كما تم علاج نحو 250 ألف مريض داخل الأقسام الداخلية والرعايات، في بيئة طبية شهدت تطورًا ملحوظًا في مستوى الرعاية والالتزام بمعايير الجودة وسلامة المرضى، بما يرسخ دور الهيئة كخط دفاع صحي متقدم للمواطن المصري.
في مجال التدخلات الجراحية والعلاجية المتخصصة، سجلت الهيئة أرقامًا تعكس حجم العمل ودقته، حيث تم إجراء 230 ألف عملية جراحية بمختلف التخصصات، إلى جانب 205 آلاف جلسة غسيل كلوي، و64 ألف جلسة لعلاج الأورام، ما يؤكد الدور المحوري للهيئة في التعامل مع الأمراض المزمنة والخطيرة. كما نُفذت 30 ألف قسطرة قلبية وطرفية ومخية، و24 ألف إجراء لمناظير الجهاز الهضمي، في إنجاز طبي يعكس تطور الإمكانات الفنية، واحترافية الكوادر الطبية المدربة.
شهد عام 2025 استحداث ثماني خدمات طبية نوعية تمثل نقلة حقيقية في مستوى التخصص، من بينها إنشاء وحدة متقدمة لجراحات القلب والصدر بمستشفى الجمهورية التعليمي، وتنفيذ 125 جراحة دقيقة. كما تم إنشاء وحدات كهربية القلب في مستشفيي بنها ودمنهور التعليميين، وهي الأولى من نوعها في محافظتيهما، إلى جانب إنشاء وحدة السكتة الدماغية بدمنهور وإجراء مئات القساطر المخية، بما يساهم في إنقاذ الأرواح وتقليل نسب الإعاقة.
وامتد التطوير ليشمل خدمات علاجية متقدمة مثل زراعة الصمام الرئوي بالقسطرة بمعهد القلب القومي، وتشغيل وحدات علاج القولون التقرحي بمستشفى أحمد ماهر التعليمي، وتفعيل وحدات الرضاعة الطبيعية في ثماني منشآت صحية لمتابعة ألف أم شهريًا. كما ساهم تشغيل العيادات المسائية في تخفيف الضغط على الفترات الصباحية وخدمة 11 ألف مريض شهريًا، إلى جانب تفعيل جراحات الشبكية للعيون بمستشفى الأحرار التعليمي، بما يعزز العدالة في تقديم الخدمة الصحية.
على صعيد البحث العلمي، سجلت الهيئة إنجازًا لافتًا بإجمالي 526 بحثًا علميًا، تنوعت بين أبحاث جارية ومنشورة في أرقى المجلات العالمية. وتم نشر 47 بحثًا في مجلات Q1، و33 بحثًا في Q2، و40 بحثًا في Q3 وQ4، ما يعكس جودة المحتوى البحثي وقيمته العلمية. كما أطلقت الهيئة جائزة النشر الدولي، ومبادرة «أنشر بحثك الأول»، في خطوة داعمة للباحثين الشباب، مع تمويل مباشر لعدد من الأبحاث العلمية الواعدة.
ولأن بناء الإنسان هو الأساس، أولت الهيئة اهتمامًا بالغًا بالتدريب والتعليم الطبي المستمر، حيث تم تنفيذ 8100 نشاط تدريبي، وتقديم 36 دبلومة مهنية، منها ثلاث دبلومات مستحدثة خلال عام 2025. واستفاد من هذه البرامج نحو 3400 دارس، وحضر الأنشطة التدريبية أكثر من 126 ألف متدرب، إلى جانب تدريب طلاب 18 جامعة خاصة داخل وحدات الهيئة، بما يعزز التكامل بين التعليم الأكاديمي والتطبيق العملي.
وفي إطار الانفتاح على الخبرات الدولية، أُتيحت بعثات ومنح خارجية لسبعة برامج تدريبية، استفاد منها 19 طبيبًا، ما يسهم في نقل أحدث الخبرات الطبية العالمية إلى داخل المستشفيات التعليمية. وعلى مستوى البنية التحتية، شهدت الهيئة طفرة في مشروعات التطوير شملت مستشفيات ومعاهد كبرى، من أورام الإسماعيلية، إلى بنها ودمنهور وسوهاج والجمهورية والجلاء، فضلًا عن تحديث المرافق الاستراتيجية ومنظومات الطوارئ.
ولم تتوقف مسيرة التطوير عند حدود عام 2025، بل امتدت بخطط واضحة لمشروعات جارٍ تسليمها مطلع 2026، تشمل مجمعات تعليمية ومخازن استراتيجية، ومباني للطب الحرج، واستكمال تطوير مستشفيات محورية. هذه المشروعات تؤكد أن ما تحقق ليس إنجازًا عابرًا، بل حلقة في سلسلة تطوير مستدام تهدف إلى بناء منظومة صحية تعليمية متكاملة، قادرة على مواجهة تحديات الحاضر واستشراف متطلبات المستقبل.
إن ما حققته الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية في عام 2025 يمثل شهادة حية على أن التطوير الحقيقي يبدأ بالرؤية وينجح بالإرادة والعمل المؤسسي. أرقام ضخمة، وخدمات نوعية، وبحث علمي متقدم، وتدريب مستمر، وبنية تحتية حديثة، جميعها تشكل ملامح منظومة صحية عصرية تضع مصر في موقع متقدم إقليميًا. إنه نموذج وطني يستحق الإشادة، وخطوة واثقة نحو مستقبل صحي أكثر كفاءة، وإنسانية، واستدامة.