عبدالرحيم عبدالباري
في معركة التنمية الشاملة، يظل الملف السكاني أحد أخطر التحديات وأكثرها تأثيرًا على حاضر الدولة ومستقبلها، وهو ما أدركته وزارة الصحة والسكان مبكرًا، فخاضت مواجهة علمية ومجتمعية طويلة الأمد عنوانها الوعي، وأداتها التخطيط، وغايتها بناء إنسان سليم في مجتمع متوازن. ومع إعلان نتائج عام 2025، تتجلى ثمار هذا الجهد المتواصل في تراجع ملحوظ لأعداد المواليد، وتكثيف غير مسبوق لمواجهة الارتفاع غير المبرر في الولادات القيصرية، في مشهد يعكس إرادة سياسية واعية، وقيادة صحية تتحرك بالأرقام لا بالشعارات.
يعكس التراجع المستمر في أعداد المواليد منذ عام 2018 وحتى 2025 نجاح منظومة متكاملة اعتمدت على البيانات الدقيقة والرصد المميكن، حيث طبقت وزارة الصحة منظومة تسجيل المواليد والوفيات في أكثر من 5000 منشأة صحية على مستوى الجمهورية. هذه المنظومة لم تكن مجرد أداة إحصائية، بل تحولت إلى قاعدة معلومات حيوية تساعد صناع القرار على فهم الواقع السكاني بدقة، والتدخل في التوقيت المناسب، وهو ما أتاح تتبع الاتجاهات السكانية وقياس أثر السياسات الصحية وتنظيم الأسرة على أرض الواقع.
وأكد الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، أن الانخفاض الملحوظ في أعداد المواليد يعكس نجاح الجهود الوطنية في مجال تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية، مشيرًا إلى أن الدولة لم تكتفِ بتوفير الخدمات، بل عملت على توسيع نطاقها، وتحسين جودتها، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الإنجاب المخطط والمسؤول. هذا التحول في الفكر المجتمعي لم يأتِ صدفة، بل كان نتاج حملات توعوية متواصلة، وتكامل بين الخدمات الصحية والإعلام والتعليم والمؤسسات الدينية.
وتؤكد بيانات عام 2025 أن الانخفاض في أعداد المواليد شمل معظم محافظات الجمهورية، باستثناء 9 محافظات سجلت زيادات محدودة تراوحت بين 0.3% و5% مقارنة بعام 2024، وهو ما يعكس اختلاف الخصوصيات السكانية والثقافية بين الأقاليم. إلا أن الاتجاه العام يظل إيجابيًا، ويؤكد أن السياسات السكانية بدأت تؤتي ثمارها تدريجيًا، خاصة مع تنامي الوعي بأهمية التوازن بين حجم الأسرة وقدرة الدولة على توفير خدمات تعليمية وصحية وفرص عمل لائقة للأجيال القادمة.
وفي ملف لا يقل أهمية، تواصل وزارة الصحة مواجهتها الحاسمة للارتفاع المقلق في نسب الولادات القيصرية، التي بلغت نحو 80% من إجمالي الولادات خلال عام 2025، مع تسجيل نسب تجاوزت 90% في بعض المحافظات، مقابل معدلات أقل في محافظات أخرى. وأكد الوزير أن الوزارة تعمل على الحد من القيصريات غير المبررة طبيًا، من خلال تفعيل بروتوكولات الولادة الطبيعية الآمنة، ورفع كفاءة الأطقم الطبية، وتحسين جودة خدمات رعاية الأم والطفل، بما يضمن سلامة الأم والمولود معًا.
وفي إطار دعم منظومة اتخاذ القرار المبني على الأدلة، وجه الدكتور خالد عبدالغفار الشكر للعاملين بقطاع الطب الوقائي والصحة العامة، لدورهم الحيوي في ضمان دقة وانتظام البيانات، كما أشاد بالتعاون الوثيق مع وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي. ومن جانبه، أكد الدكتور عمرو قنديل، نائب وزير الصحة والسكان، أن معدل الزيادة السكانية في 2025 بلغ نحو 1.34 مليون نسمة، مشددًا على أن ضبط النمو السكاني يظل حجر الزاوية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وتحسين جودة حياة المواطن.
إن ما تحقق في عام 2025 يؤكد أن وزارة الصحة والسكان، بقياداتها ورؤيتها العلمية، لا تتعامل مع الملف السكاني بردود أفعال مؤقتة، بل بخطة استراتيجية طويلة المدى تستند إلى البيانات، وتستهدف الإنسان قبل الأرقام. تراجع المواليد، ومواجهة القيصريات، وبناء وعي مجتمعي جديد، كلها مؤشرات على أن الدولة تسير بخطى ثابتة نحو مجتمع أكثر توازنًا وقدرة على التنمية. إنها معركة وعي مستمرة، تقودها قيادة صحية تدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من صحة الإنسان وحسن قراره.