في ليلة كان من المفترض أن تكون احتفاءً بأسطع نجوم الفن، تحولت سجادة حمراء حفل جوائز الغولدن غلوب 2026 إلى منصة للمواجهة الأخلاقية الأكثر جرأة في تاريخ هوليوود الحديث. تحت أضواء الكاميرات ووهج الألقاب، اختار النجم مارك روفالو ألا يغني ترنيمة النجاح وحده، بل أن يرفع صوته عالياً ضد ما وصفه بـ”الطغيان” و”عنف الدولة”. بينما ارتدى هو وزملاؤه دبابيس سوداء وبيضاء تحمل اسم الضحية “رينيه جود”، تحول الاحتفال الفني إلى محاكمة علنية، وإعلان صارخ بأن الفن لن يكون شاهداً صامتاً على ما يحدث. هذه ليست مجرد تصريحات عابرة؛ إنها صرخة من قلب أمريكا تعلن أن معركة الروح قد ابتدأت، وأن هوليوود قررت أن تكون في خندق الحق، حتى ولو كان الثمن باهظاً.
هجوم صريح: “ترامب هو أسوأ إنسان في العالم”
وقف مارك روفالو على السجادة الحمراء، وبدلاً من الحديث عن ترشيحه لجائزة أفضل ممثل عن مسلسل “تاسك”، استغل المنصة العالمية ليوجه اتهامات بالغة الحدة للرئيس دونالد ترامب. وصف روفالو ترامب بأنه “أسوأ إنسان في العالم”، وهاجم أخلاقه الشخصية معلقاً: “إذا كنا نعتمد على أخلاق هذا الرجل في أقوى دولة في العالم، فنحن جميعاً في ورطة كبيرة”. لم يقتصر هجومه على الشخص، بل امتد ليشمل السياسات، حيث شجب “الحرب غير القانونية مع فنزويلا”، معتبراً أن إدارة ترامب “تضرب عرض الحائط كل القوانين الدولية” ولا يهمها سوى أخلاقها الذاتية. عبر روفالو عن شعور عميق بالانتماء والألم، قائلاً: “أحب هذا البلد، وما أراه يحدث هنا ليس أمريكا”، مؤكداً أنه يتحدث كمواطن يشعر بالرعب مثل ملايين الأمريكيين الآخرين.
أكثر من دبوس: حملة منظمة وصرخة جماعية
لم تكن دبابيس “BE GOOD” و”ICE OUT” التي انتشرت على صدر روفالو ونجوم مثل واندا سايكس وناتاشا ليون وجين سمارت مجرد إكسسوارات عابرة. فهي تمثل حملة منظمة ذات أهداف واضحة: تكريم الضحايا ومطالبة المساءلة. الحملة، التي تدعمها منظمات مثل “ACLU” و “Working Families Power”، تأتي في أعقاب مقتل رينيه نيكول جود برصاص عميل لهيئة الهجرة والجمارك “ICE” في مينيابوليس، وكيث بورتر في لوس أنجلوس. المنظمون، مثل نييليني ستامب، يعون جيداً قوة اللحظات الثقافية البارزة، قائلين: “نحتاج فنانينا. نحتاج إلى الأشخاص الذين يعكسون المجتمع”. هذه الحملة تواصل تقليداً طويلاً في هوليوود يجمع بين الفن والعدالة الاجتماعية، مماثل لحركة “Time’s Up” أو حتى احتجاج مارلون براندو التاريخي في حفل الأوسكار 1973.
صمت المنصة: احتجاج محسوب أم خوف متزايد؟
على الرغم من حدة الخطاب على السجادة الحمراء، لاحظت وسائل إعلام مثل “فاست كومباني” أن المنصة الرئيسية للحفل شهدت غياباً ملحوظاً للخطاب السياسي المباشر مقارنة بسنوات سابقة. حيث اقتصرت التعليقات على تلميحات غامضة، كما في نكات مقدمة الحفل نيكي غلاسر أو تصريح المخرج جود أباتو المقتضب: “أعتقد أننا نعيش في ديكتاتورية الآن”. هذا التناقض بين السجادة الحمراء الصاخبة والمنصة الأكثر تحفظاً يعكس تردداً وربما تغيراً في الاستراتيجية داخل المجتمع الفني. فبينما يصر ناشطون مثل جاميلا جميل على ضرورة استخدام الامتياز والنفوذ للتحدث، يرى آخرون مثل جينيفر لورانس أن تأثير المشاهير في صناديق الاقتراع محدود، وأن الكلام قد يزيد الانقسام.
حرب ثقافية أوسع: هوليوود بين التصدي والانقسام
تصريحات روفالو ليست حدثاً معزولاً، بل هي حلقة جديدة في الحرب الثقافية المستعرة بين إدارة ترامب وهوليوود. من ناحية، نجوم مثل روبرت دي نيرو وجين فوندا وميريل ستريب واصلوا خطابهم النقدي الحاد. ومن ناحية أخرى، اختارت إدارة ترامب التعاون مع وجوه فنية أخرى، مثل تعيين سيلفستر ستالوني وميل جيبسون “سفراء خاصين” للبيت الأبيض في هوليوود، أو التعاون مع النجمة نيكي ميناج للدفاع عن الحريات الدينية. هذا المشهد المنقسم يطرح سؤالاً جوهرياً عن دور الفنان في زمن الأزمات السياسية: هل هو صوت الضمير الجماعي، أم أن الفن يجب أن يبقى بعيداً عن السياسة؟ يبدو أن الجيل الأقدم من النجوم، الأقل قلقاً على مستقبلهم المهني، أكثر استعداداً لخوض المعركة، بينما يتردد البعض الآخر.
تواطؤ الصمت في واشنطن: أين كانت الأحزاب بينما كانت هوليوود تُحاكم الترامبية؟
في الوقت الذي توحدت فيه أصوات الضمير العالمي—من شعوب إلى منابر دينية إلى نجوم هوليوود—على نبذ بلطجة ترامب، يغيب الصوت الأقدر على المواجهة الفعلية: صوت الأحزاب الأمريكية في عقر دارها. لماذا يصمت الحزب الجمهوري وهو يشاهد إرث لينكولن وأيزنهاور يتهاوى تحت نزوات فردية؟ والأمر ذاته يُوجه للحزب الديمقراطي داخل أروقة الكونغرس. هذا الخفوت المريب لا يضعف من شجاعة روفالو وزملائه، بل يزيده تراجيدياً، ويثير شكوكاً حول مدى تغلغل روابط الفساد (كالملفات المشتركة مع “إبستين”) في مفاصل النخبة، حتى غدا التستر على الفضائح أهم من حماية الديمقراطية ذاتها. إن هذا التخاذل لا يجعل من ترامب قوياً، بل يحول الشعب الأمريكي أولاً، وشعوب العالم تالياً، إلى رهائن في “مؤامرة صمت” نخبوية، تُضحّي باستقرار الكوكب على مذبح المصالح الضيقة.
عندما يتحول الفن إلى سلاح للمقاومة
وختامًا: ليست دبابيس “BE GOOD” مجرد قطع من المعدن، وليست كلمات مارك روفالو مجرد غضب عابر في حفل تلفزيوني. إنها رصاصات ضوء في مواجهة ظلام السياسات القمعية، وهي صرخة جماعية تذكرنا بأن الفن الحقيقي لا ينفصل عن الإنسان ولا عن واقعه الأليم. في ليلة الغولدن غلوب، لم تكن هوليوود توزع التماثيل الذهبية فقط، بل كانت توزع الاتهامات وتكشف الحقائق وتعلن الوقوف مع المظلومين. روفالو، بكل ما تحمله كلماته من حزن وغضب، لم يكن يتحدث باسمه وحده، بل كان لسان حال كل من يؤمن بأن أمريكا الحقيقية هي أرض الحرية والعدالة، لا أرض العنف المقنن والغزو غير القانوني. هذه اللحظة التاريخية تثبت أن صراع السلطة لم يعد محصوراً في ممرات الكونغرس أو أروقة البيت الأبيض، بل امتد إلى السجادة الحمراء ووصل إلى ملايين الشاشات في كل أنحاء العالم. السؤال الآن: هل ستكون هذه الصرخة بداية لموجة لا تُقهر من المقاومة الفنية، أم أنها ستُطوى كصفحة من تاريخ الصراع بين الفن والسلطة؟ الأيام القادمة وحدها ستكشف، ولكن ما هو مؤكد أن شرارة الرفض قد اشتعلت، ومن المستحيل إعادة الفنانون إلى صمت القبور الذهبية.