بقلم رحاب هاشم
حين تنقسم الهوية بين الواقع والصورة
في كل مرة أركب فيها المترو أو أجلس على مقهى شعبي أو أفتح هاتفي لأتصفح مواقع التواصل أشعر أنني أعيش في بلدين لا يعرف أحدهما الآخر بلد اسمه (مصر) ينبض بروح الحارة الشعبية بصوت الباعة الجائلين ورائحة الفول والكشري على الكانون ومسميات اكلاتنا الشهيرة وروعة لهجتنا المصرية التي اقتبسها العالم من افلامنا وأفشاتنا الجميلة وسط زحام شوارعنا الساهرة ومبانيها العريقة إلى صوت أم كلثوم في الراديو ورومانسيات عبدالحليم و قصص الجدة التراثية ودعائها في الفجرية
وبلد آخر اسمه (إيجيبت) نراه في الإعلانات وفي الكافيهات التي تقدم القهوة ب”الكراميل ماكياتو”بدلا من الشاي بالنعناع و”Green Burger”بدلا من الطعمية في المطاعم ذلك الميل العجيب في استخدام للغة الإنجليزية أو الفرانكو للتواصل اليومي “yalla n5las el sho3’l we nroo7 net3asha” وبدل إفشاء “السلام عليكم” بيننا ذو الدعاء أقرب إلى كلمة Hi و Peace ذو التعبير العالمي للتحية والود وتفضيلها لأنها تبدو “مودرن” خصوصا بين الشباب في الكافيهات أو على السوشيال ميديا
وقصص الأم لأطفالها من (Walt Disney ) بل وأصبحت الجلاليب في بعض المناطق والجينز والتيشرتات القطنية والشباشب والأحذية الرياضية المحلية الغير ماركه في المحلات بالأحياء الشعبية من مصممين محليين استبدلت باللتي في المولات مع اكسسوارات مستوردة وماركات عالمية Zara- H&M و أصبحت مشاهدة الأفلام الأبيض والأسود وزمن التسعينات نادرة تلك التي تعبر عن أيامنا الجميلة وسلوكياتنا البسيطة وهويتنا العميقه الى بديلها Netflix و Disney
بالاشتراك في منصات رقمية لمتابعة الأفلام العالمية والغربية ومسلسلات رمضان والتبرعات عبر تطبيقات إلكترونية بدل موائد الرحمن التقليدية وانتشر الإفطار والسحور في رمضان في مطاعم راقية أو خيم رمضانية في الفنادق وأصبحت العيديات بالدولار أو اليورو بدلا من الجنيه المصري وقضاء الأجازات بالسفر للخارج كدبي والمالديف وأوروبا
و في الداخل إلى الساحل والجونة والمنتجعات الفاخرة مع حفلات موسيقية بأسعار خيالية غير مصيف بلطيم وجمصة والشواطئ الشعبية في المدن الساحلية بل وصارت العلاقات الاجتماعية لقاءات محدودة في النوادي أو المولات و الكافيهات عن اللقاءات المنزلية وكذا الأفراح ذات الدعوات العامة في قاعات شعبية أو النوادي الاجتماعية البسيطة وأحيانا في الشوارع أمام المنازل ذات الفرق الشعبية
والدي جي والزينة بالأنوار الملونة وعلب الجاتوه والسندوتشات والمشروبات الغازية والصواني المشكلة “عزومة بلدي ” من مطبخ البيت أو بمساعدة طباخ الفرح بحضور المعازيم بملابس عادية وسيواريهات محلية واختيار بدلة العريس البسيطة التكلفة وفستان العروسة الأبيض التقليدي إلى أفراح بفنادق خمس نجوم أو قاعات وفيلات فاخرة في كمباوندات ذات الزينة والديكور العالمي والإضاءات الحديثة مع فرق موسيقية أجنبية بدعوات محدودة
غالبا عبر بطاقات أنيقة أو إلكترونية مع تصوير سيشن وبوفيه مفتوح يحتوى على أكلات عالمية (سوشي ،باستا،ستيك) بجانب الحلويات المستوردة وتلك بدلة العريس مصصمة خصيصا له وكذا فستان العروسة من أفخم بيت أزياء عالمي وقد يكون فستانين والمعازيم بملابس تضارب بالماركات الغربية بأسماء مصمميها ليستحوذ كل منهم على الأنظار
فمصر ذات الدفء والبساطة والتضامن والعمق بينما إيجيبت ذات الطموح والحرية والانفتاح فمصر ياسادة ليست متخلفة وإيجيبت ليست متقدمة إنما هناك فجوة ثقافية بين من يتمسك بالأصالة والبساطة والروح الجماعية ومن يتأثر بالعولمة والخصوصية والرفاهية الفردية ولكن كانت النتيجة مجتمع واحد يعيش في عالمين مختلفين مما يخلق شعورا بالاغتراب بين الطبقات ويجعل المجتمع
يقف أمام تحد كبير كيف ندمج الأصالة والحداثة دون أن نفقد هويتنا أو نتجمد أمام التطور ؟
و من هنا نوجه عدم الانحياز لطرف دون الآخر لنفتح مساحات مشتركة على ان نخلق جسورا بين “مصر” و “إيجيبت” حيث يظل الود قائما من إعادة الدمج بين الأحياء الشعبية والكمباوندات بإنشاء مراكز ثقافية ذات الحوار والتعاون بأنشطة متعددة كالقراءة و المسرح و الرياضة بتنظيم بطولات كرة قدم أو ألعاب جماعية رياضية مشتركة مثل “الماراثون
” بدعم المبادرات الشبابية – و تنظيم مهرجانات تضم مطربين شعبيين مع فرق موسيقية عالمية في حفل واحد واحتفالات دينية ووطنية بأسلوب مزدوج يجمع الشعبي والعصري كالمناسبات الوطنية “عيد تحرير سيناء ” أو “ثورة يوليو” نوضح فيه تاريخ أمجادنا فرصة لدمج الأسلوبين في احتفال واحد وإنتاج مسلسلات وأفلام تظهر الحياتين “مصر”وإيجيبت” جنبا إلى جنب _ ومسابقات طبخ تجمع بين أكلات مصرية أصيلة وأكلات غربية ليشعر الطرفان أن الطعام يمكن أن يكون جسرا ثقافيا _كذا إقامة ورش عمل لتعليم اللغة العربية الثرية بالمنافسة في كتابة الاشعار والقصص بجانب الحفاظ على لهجتنا
المصريةالعامية والغيرة عليهما _وإقامة رحلات مدرسية مشتركة بين المدارس الحكومية والدولية لخلق صداقات عابرة للفجوة وتعليم الأولاد قيمة الأصالة وأهمية الانفتاح لخلق توازن ثقافي واعتبار الاختلاف مصدر ثراء لا سببا للانقسام والتمسك بالهوية المصرية في عصر العولمة بالقدرة على الحفاظ على الجذور والانطلاق نحو المستقبل بثقة وبأن مصر تجمع بين الماضي العريق والمستقبل الواعد
بين دفء مصر وطموح إيجيبت وبأننا مكملين لبعض ولسنا مجتمعين منفصلين بل وجهان لهوية واحدة تكمل بعضها في الثقافة والرياضة والفنون والطعام واللغة فمصر هي الأصل وإيجيبت هي الصورة وما بينهما جسر علينا أن نبنيه بثقة لنظل معا وننطلق نحو المستقبل دون أن نفقد جذورنا