حسين السمنودي
في أجواء إيمانية مهيبة، وقلوب متلهفة لنسمات الشهر الكريم، أحيت مدينة الصالحية الجديدة أولى ليالي شهر رمضان المبارك من داخل مسجد الجامع الكبير، حيث تجمّع المصلون كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً، في مشهد يعكس عمق المحبة لهذا الشهر الفضيل، واستعداد النفوس لاستقباله بالتوبة والإنابة والعمل الصالح.
منذ اللحظات الأولى لرفع أذان العشاء، بدا المسجد عامرًا برواده، تسبقه القلوب قبل الأقدام، في صورة تُجسد وحدة الصف واجتماع الكلمة، وتؤكد أن رمضان ليس مجرد شهر في التقويم، بل هو محطة إيمانية كبرى تعيد ترتيب الأرواح، وتُرمم ما أفسدته مشاغل الحياة، وتوقظ في النفس معاني الطهر والصفاء.
وقد أمَّ المصلين في هذه الليلة المباركة فضيلة الشيخ عمر الجعان، الذي صدح بصوته الندي بآيات الذكر الحكيم، فلامست التلاوة شغاف القلوب، وانسابت الكلمات الربانية في سكينة وخشوع، وكأن كل آية تخاطب وجدان الحاضرين مباشرة، تذكرهم بعظمة الشهر وفضله، وتدعوهم إلى اغتنام لحظاته التي لا تُقدَّر بثمن.
وجاءت هذه الليلة العامرة برعاية كريمة من فضيلة الدكتور عثمان أحمد، كبير مفتشي إدارة الصالحية الجديدة، الذي يحرص دائمًا على متابعة المساجد وتوفير الأجواء التنظيمية والإيمانية التي تليق بشهر رمضان، تأكيدًا على رسالة وزارة الأوقاف في نشر الوسطية والانضباط وترسيخ القيم الدينية الصحيحة.
كما أقيمت الشعائر تحت رعاية فضيلة الدكتور محمد إبراهيم حامد، وكيل الوزارة ومدير مديرية أوقاف الشرقية، الذي يقود العمل الدعوي بالمحافظة برؤية واعية تجمع بين الانضباط الإداري والتجديد الدعوي، بما يضمن تقديم خطاب ديني مستنير يواكب احتياجات المجتمع ويعالج قضاياه بروح مسؤولة.
لقد عكست الليلة الأولى من رمضان في الجامع الكبير بالصالحية الجديدة صورة مشرقة للمجتمع المصري حين يتوحد حول بيوت الله، حيث امتزجت الدموع بالدعوات، وتعانقت الأكف في ابتهال صادق بأن يحفظ الله مصر وأهلها، وأن يعيد على الأمة أيام العزة والطمأنينة.
رمضان في الصالحية الجديدة لم يكن مجرد صلاة تراويح، بل كان إعلانًا متجددًا بأن المساجد ما زالت منارات هداية، وأن القلوب حين تتجه إلى الله تتسع لكل معاني الرحمة والتسامح والتكافل. فالمشهد لم يقتصر على أداء الشعيرة، بل كان درسًا عمليًا في النظام والالتزام وحسن التنظيم، يعكس الجهود المبذولة من إدارة الأوقاف في متابعة المساجد وتهيئتها لاستقبال هذا الضيف الكريم.
ومع انقضاء الركعات الأولى، بقي في القلوب وعد خفي بأن تكون هذه الليلة بداية عهد جديد مع الله، بداية تصحيح المسار، وإحياء الضمير، وتجديد العهد مع القرآن. فكم من نفس دخلت المسجد مثقلة بالهموم وخرجت مطمئنة! وكم من عين اغرورقت بالدموع وهي تسمع آيات الرحمة والمغفرة!
إن إحياء أول ليلة من رمضان في الجامع الكبير بمدينة الصالحية الجديدة يؤكد أن الخير ما زال متدفقًا في ربوع الوطن، وأن روح الإيمان قادرة دائمًا على جمع الناس حول القيم العليا، مهما اشتدت التحديات. وستظل هذه الليلة شاهدًا على أن رمضان حين يحلّ، يعيد للأرواح بريقها، وللمساجد بهجتها، وللمجتمع وحدته.
هكذا استقبلت الصالحية الجديدة شهر القرآن… بخشوع صادق، وتنظيم واعٍ، ورعاية كريمة، وقلوب تلهج بالدعاء أن يكون هذا الشهر فاتحة خير وبركة وسلام على مصرنا الغالية، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يجعل ليالي رمضان فيها عامرة بالطاعة، نابضة بالإيمان، مضيئة بنور القرآن.