حسين السمنودي
في حديث طبي بالغ الأهمية، دقّ الدكتور محمد حسن السروجي ناقوس الخطر محذرًا من مخدر «الأيس» أو ما يُعرف علميًا باسم الميثامفيتامين البلوري، مؤكدًا أنه من أخطر المواد المخدرة المصنعة التي عرفها العالم الحديث، ليس فقط بسبب تأثيره السريع والعنيف على المخ، ولكن أيضًا بسبب طبيعة تصنيعه العشوائية القاتلة.
يوضح الدكتور السروجي أن الأيس ينتمي إلى عائلة المنشطات شديدة التأثير على الجهاز العصبي المركزي، لكنه يختلف عن غيره في قوة مفعوله وطول مدة تأثيره، حيث قد يستمر تأثير الجرعة الواحدة لساعات طويلة، وأحيانًا لأكثر من يوم كامل، مما يُدخل المخ في حالة استنفار عصبي مرهق يدفعه إلى استهلاك طاقته الكيميائية بصورة مدمرة.
ويشير إلى أن الخطورة الكبرى تبدأ من لحظة التصنيع؛ فالأيس غالبًا ما يتم تحضيره في معامل بدائية غير مؤهلة، باستخدام مواد كيميائية سامة مثل بعض المذيبات الصناعية، وأحماض مركزة، ومركبات تُستخدم في صناعات غير طبية. هذه البيئة غير الآمنة تعني أن الجرعة قد تحتوي على شوائب شديدة السُمية، ومعادن ثقيلة، ومواد مسرطنة، مما يجعل تأثيرها على الكبد والكلى والجهاز التنفسي مضاعفًا وخارج السيطرة.
ومن الناحية العصبية، يشرح الدكتور السروجي أن الأيس يسبب إفرازًا هائلًا لمادة الدوبامين في المخ، وهي المادة المسؤولة عن الشعور بالمكافأة والسعادة. لكن هذا الإفراز غير الطبيعي يؤدي إلى استنزاف المخ، ومع التكرار يفقد الدماغ قدرته على إنتاج الدوبامين بصورة طبيعية. وهنا يدخل المتعاطي في دائرة الاكتئاب الحاد، والفراغ العاطفي، وفقدان الإحساس بالحياة، فلا يعود قادرًا على الشعور بأي متعة دون المخدر.
ويضيف أن التعاطي المستمر يؤدي إلى تغيرات تشريحية حقيقية في الدماغ، حيث تتأثر مراكز الذاكرة والتركيز واتخاذ القرار، ويصبح المتعاطي أقل قدرة على الحكم السليم، وأكثر اندفاعًا وعدوانية. وقد ثبت أن الاستخدام طويل الأمد يرتبط بحدوث نوبات ذهانية حادة، وهلاوس، وشكوك مرضية قد تدفع إلى سلوكيات خطرة.
أما على مستوى القلب والأوعية الدموية، فيؤكد الدكتور السروجي أن الأيس يرفع معدل ضربات القلب بصورة خطيرة، ويؤدي إلى انقباض حاد في الأوعية الدموية، مما يزيد من احتمالية الإصابة بجلطات دماغية أو أزمات قلبية مفاجئة. كما يؤدي إلى ارتفاع شديد في ضغط الدم، واضطراب كهرباء القلب، وقد ينتهي الأمر بتوقف مفاجئ للقلب.
ولا تقف الأضرار عند هذا الحد؛ فالجهاز المناعي يتأثر بصورة واضحة، ويصبح الجسم أكثر عرضة للعدوى. كما يُصاب المتعاطي بجفاف شديد، وفقدان للشهية، وهزال عام، وتسوس حاد في الأسنان، إضافة إلى التهابات جلدية ناتجة عن الهلاوس الحسية.
ويحذر الدكتور السروجي من أن الإدمان على الأيس يحدث بسرعة كبيرة، وأن أعراض الانسحاب قد تشمل اكتئابًا عميقًا، قلقًا حادًا، اضطرابات في النوم، وإرهاقًا شديدًا، ما يستدعي تدخلًا طبيًا متخصصًا داخل مراكز علاج الإدمان.
ويشدد على أن المواجهة لا تكون فقط بالعقاب، بل بالوعي والاحتواء والعلاج المبكر، داعيًا الأسرة إلى الانتباه لأي تغيرات مفاجئة في سلوك الأبناء، مثل فقدان الوزن السريع، العصبية المفرطة، السهر الطويل، أو العزلة المفاجئة.
إن الأيس ليس مجرد مخدر يُتعاطى، بل هو مشروع سقوط كامل للإنسان. سقوط في الصحة، في العقل، في الكرامة، وفي العلاقات. هو نارٌ صامتة تشتعل داخل الدماغ دون دخان، لكنها تترك وراءها رمادًا من الأحلام المحترقة والأسر المفككة والمستقبل الضائع.
المجتمع الذي يستهين بخطر الأيس كمن يفتح أبوابه لريحٍ سامة لا يرى أثرها إلا بعد أن تتساقط جدرانه من الداخل. لذلك فإن المعركة ضده ليست مسؤولية طبيب وحده، ولا أسرة وحدها، بل مسؤولية أمة بأكملها تحمي أبناءها من سمٍّ يتخفى في صورة بلورات لامعة تخدع الأبصار، لكنها لا تخدع قوانين الجسد.
رسالتي الأخيرة، على لسان الدكتور محمد حسن السروجي: لا تقترب من هذا الطريق مهما كانت المغريات، فخطوة واحدة فيه قد تكلفك عمرك كله. والوقاية وعي، والعلاج شجاعة، والنجاة ممكنة… لكن البداية دائمًا قرار.