فجر الوعي في مواجهة خوارزمية الإبادة
تضرب عواصف التصفية جدران الوجود العربي، وبينما نعتكف على تأطير الخطاب الدولي لكشف ألاعيب “آلات التغييب” وحماية الوعي الشعبي، تبرز فجأة خلافات مصطنعة بين العراق وشقيقته الكويت لتشكل طعنة في خاصرة التوقيت الاستراتيجي. إن هذا العبث الحدودي لا يمكن وصفه إلا بكونه “فخاً إدراكياً” يتناقض كلياً مع دعواتنا للاصطفاف الملزم خلف القيادات السياسية، ويحاول إضعاف “الثالوث العربي” (مصر، السعودية، قطر) في صموده التاريخي ضد مشاريع المحو. فبأي منطق يُفتح باب الجدل حول إحداثيات بحرية في لحظة تفرض علينا تشفير جبهاتنا الداخلية وإغلاق الثغرات أمام المتربصين بهوية الأمة وسيادتها؟.
فينما تنشغل “آلات التغييب” برسم حدود الوهم، تبرز صخرة الواقع لتصدم الجميع بحقيقة أن “عاصفة التصفية” الإقليمية لم تعد مجرد احتمال، بل باتت قدراً يحاول البعض فرضه عبر “فخاخ الإثارة الخارجية” التي تؤجج الأوجاع الداخلية بين الأشقاء. إن ما نشهده اليوم من تجدد السجال البحري والحدودي بين العراق والكويت حول إيداع الخرائط لدى الأمم المتحدة، والاحتجاجات الرسمية المتبادلة، ليس إلا فصلاً جديداً من فصول “خوارزمية الإبادة” التي تستهدف تفتيت النسيج العربي قبل أن يستفيق من سباته الإدراكي. وفي ظل عجز “الجامعة العربية” الذي بات سياسياً وبنيوياً، تبرز “نواة الارتكاز” المتمثلة في الثالوث العربي (مصر، السعودية، قطر) كدرع وحيد يتحمل عبء مواجهة التحديات المصيرية بمفرده. إن الرهان اليوم يتجاوز مجرد خلاف على إحداثيات بحرية؛ إنه رهان على قدرة العقل العربي المستقل على الاصطفاف خلف “الثالوث” لإجهاض محاولات تحويل العراق والكويت إلى ساحات جديدة للاقتتال والنزيف، وقطع الطريق على المؤامرات التي تسعى لتعميم نموذج السودان في كل زاوية من زوايا الوطن الكبير.
المأزق الحدودي: بين السيادة الوطنية والالتزام الدولي
يتصاعد التوتر الدبلوماسي بين الجارين الشقيقين، حيث سلمت الخارجية الكويتية مذكرة احتجاج رسمية للقائم بأعمال سفارة العراق، رافضةً ما وصفته بادعاءات عراقية مودعة لدى الأمم المتحدة تمس بسيادتها على مناطقها البحرية ومرتفعاتها المائية مثل “فشت القيد” و”فشت العيج” التي لم تكن يوماً محلاً للخلاف. ودعا مجلس الوزراء الكويتي الجانب العراقي للتعامل بمسؤولية وفق القانون الدولي واتفاقية البحار لعام 1982، مع ضرورة استحضار العلاقات التاريخية بين الشعبين. وفي المقابل، يشدد مجلس الوزراء العراقي برئاسة محمد شياع السوداني على أن خطوة إيداع خريطة المجالات البحرية هي شأن سيادي قانوني يستند إلى القوانين الوطنية والتشريعات التي تحفظ حقوق العراق، مؤكداً الالتزام بالمقررات الدولية واستدامة العلاقات الأخوية البنّاءة مع دول الجوار بما يضمن السيادة الوطنية والحقوق المتبادلة.
إرهاصات “الخيار العسكري” وهذلية التوقيت
لا يمكن فصل التصعيد الحدودي في الخليج عن موجة القلق التي تسود الساحة اللبنانية عقب القرار المفاجئ للسفارة الأمريكية بإجلاء موظفيها وعائلاتهم بسبب مخاطر إرهابية واضطرابات متوقعة، مما يضع المنطقة برمتها تحت وطأة “هندسة الكراهية”. إن هذا التوقيت المريب يثير تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت هذه التحركات نذيراً لتصعيد عسكري وشيك يسعى لجر المنطقة لمواجهة شاملة وتفتيت ما تبقى من استقرار. إن الربط الاستراتيجي بين إجلاء بيروت وتوتر بغداد والكويت يثبت أن فخاخ الإثارة الخارجية تعمل بالتوازي لتأجيج الأوجاع الداخلية، مما يجعل الوعي بـ “خوارزمية التصفية” ضرورة قصوى لإجهاض محاولات تحويل الدول المستقرة إلى بؤر نزاع تشبه سيناريوهات التفتيت التي أحرقت دولاً عربية أخرى.
الجامعة العربية: غياب “الإصلاح” واستبداد “العجز”
أمام هذه التحديات، نسأل بلسان “الخوارزمية البشرية”: أين هو دور جامعة الدول العربية في احتواء الخلافات قبل استفحالها؟ لقد طالبنا مراراً بإصلاحات شاملة تخرج الجامعة من دائرة العجز المسيطر عليها، والتي تركت “نواة الارتكاز” (مصر، السعودية، قطر) تواجه العواصف بمفردها كدرع صامد أمام التصفية الإقليمية. إن استمرار تغييب الدور المؤسسي للجامعة يفتح الباب أمام التدخلات التي لا تريد خيراً بالعرب، مما يوجب على الدول العربية ترك الخلافات المصطنعة جانباً والاصطفاف خلف “الثالوث العربي” الذي يمثل اليوم “صمود الارتكاز” في وجه التحديات الوجودية، وذلك لمنع الانزلاق نحو نماذج الفوضى التي بدأت تلوح في الأفق وتهدد بتكرار مأساة السودان في مناطق جغرافية جديدة وحساسة.
السيادة الذاتية وصخرة الاصطفاف
في الختام، نعلنها بمداد اليقين ومن قلب مؤطر الخطاب العربي والدولي: إن شفرة العراق والكويت لن تُفك داخل أروقة الأمم المتحدة المليئة بالتوازنات المنحازة، بل تُفك على صخرة الاصطفاف خلف “الثالوث العربي” الذي يرفض هندسة الكراهية وتصفية الأوطان. لقد آن الأوان لتستفيق العقول الإدراكية وتدرك أن العدو الحقيقي هو تلك “الخوارزمية” التي تسعى لجر الأشقاء إلى كمائن الصراع الحدودي لتمرير أجندات التفتيت الكبرى. لن نسمح بأن يتحول الخليج إلى ساحة استنزاف جديدة، ولن تمر فخاخ الإثارة الخارجية طالما ظلت “نواة الارتكاز” هي البوصلة والدرع. إن استرداد السيادة الإدراكية هو السد المنيع الوحيد لحماية العراق والكويت من عواصف التصفية، والاصطفاف خلف الثالوث العربي هو الرهان الرابح لإبقاء سماء المنطقة صافية، رغم أنوف المتآمرين في الغرف المظلمة الذين يحلمون برؤية الأمة ممزقة بحدود الوهم وأطماع الغرباء.