حين تتحول السماء إلى مسرح للهيمنة الفارغة
في اللحظة التي كانت فيها طائرات “إف-22 رابتور” الأمريكية تحلق باتجاه المنطقة، وطائرات الشحن تزدحم على مدرجات مطار بن غوريون، لم يكن المشهد مجرد استعراض عسكري تقليدي، بل كان إعلاناً صارخاً عن “قطيعة” مع النظام الدولي الذي يدعون احترامه. بينما كانت شعوب المنطقة تتابع بذهول هذا الحشد غير المسبوق قبيل مفاوضات جنيف، كانت تتساءل في وجع: هل هذه هي الدبلوماسية التي يريدون لنا أن نصدقها؟ أم أننا أمام تكرار سيناريو العراق 2003، حيث تُحشد الجيوش دون تفويض دولي، وتُقرع طبول الحرب دون خطر وشيك، فقط لفرض “حق القوة” بدلاً من “قوة الحق”. في هذا المشهد المركب، تبرز “نوة الارتكاز” العربية، بقيادة “الثالوث العربي” (مصر والسعودية وقطر)، كصخرة وحيدة في وجه عاصفة التصفية، ترفض الخضوع لمنطق الترهيب التكنولوجي، وتدرك أن هذه الاستعراضات العسكرية لن ترهب شعوباً باتت تعرف جيداً أن “النظام القائم على القواعد” ليس سوى أيديولوجية غربية مقنعة، تُطبق بانتقائية فجة، وتكيل بمكيالين.
أجنحة “رابتور” وفخاخ المفاوضات.. لماذا الآن؟
إن إرسال الولايات المتحدة لمقاتلاتها الأحدث “إف-22 رابتور” إلى المنطقة، بالتزامن مع مفاوضات جنيف، ليس توقيتاً عابراً. إنه رسالة مبطنة مفادها أن واشنطن تريد التفاوض من موقع قوة، لكنها في الحقيقة تكشف عن “عورة” الهيمنة الأمريكية التي باتت عاجزة عن إقناع العالم بعدالتها. المشاهد المرصودة لطائرات الشحن الأمريكية وهي تهبط في مطار بن غوريون، تذكرنا بأيام حرب العراق، حيث كانت نفس المشاهد تتكرر قبل الغزو الذي هز مصداقية الغرب لعقود. إن هذا الاستعراض الفج للقوة، دون أي سند قانوني أو تفويض أممي، يثير تساؤلات جذرية حول النوايا الحقيقية لواشنطن: هل هي تسعى لتأمين طاولة التفاوض، أم هي تحاول “تجريد الإمبراطور من ملابسه” لتظهر للعالم الحقيقة العارية للهيمنة الأمريكية، التي لا تعترف إلا بمنطق القوة؟
إن ازدحام مدرجات مطار بن غوريون بطائرات التزود بالوقود والمقاتلات الحديثة، يأتي في وقت تدين فيه 18 دولة سويدية قرارات إسرائيل التوسعية في الضفة الغربية، في مشهد يفضح ازدواجية المعايير الدولية. فبينما تصدر بيانات الإدانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، تُحشد الجيوش وتُجهز العتاد لشن حرب جديدة في المنطقة. هذا التناقض الصارخ بين القول والفعل، هو ما جعل الشعوب العربية تكفر ذهنياً بفكرة عدالة النظام العالمي، وتدرك أن ما يسمى “النظام القائم على القواعد” هو مجرد وهم، وأن الحقيقة الوحيدة هي “حق القوة” الذي تمارسه واشنطن بلا خجل.
تآكل الهيبة.. هل نحن أمام نهاية مرحلة “الأحادية”؟
يشهد العالم اليوم تراجعاً ملحوظاً في قدرة الولايات المتحدة على قيادة المسيرة الإنسانية، وهو ما بدا جلياً في منتدى دافوس ومؤتمر ميونيخ للأمن. هناك، في عقر دار الحلفاء، كانت هناك “ثورة مكتومة” حتى من الأوروبيين تجاه السياسات الأمريكية المنفردة، التي لم تعد تراعي حتى مصالح أقرب حلفاء واشنطن. إن النظام الذي ولد من دمار الحرب العالمية الثانية عام 1945 يحتضر الآن ببطء، بينما تتحرك الصين وروسيا بقوة لكتابة قواعد جديدة لا يتفرد فيها الغرب بالقرار وحده.
لقد قوضت التناقضات الغربية صدقية النظام القائم على القواعد لعقود. فسياسات الكيل بمكيالين، بين جنوب فقير مطحون وشمال غني مرفه، كانت سبباً مؤكداً للكفر الذهني بفكرة عدالة النظام العالمي. بعد غزو العراق عام 2003، بدا أن شريعة أخرى غير ليبرالية بالمرة تحكم العالم: شريعة “حكم اللصوص” و”حق القوة”. إن تهديدات ترمب بضم غرينلاند، ومحاولة فرض الهيمنة على فنزويلا باسم مبدأ “مونرو” البائد، كلها تؤكد أن الولايات المتحدة لا تعترف بالقانون الدولي إلا عندما يخدم مصالحها. الرئيس ترمب قالها صراحة في حواره مع نيويورك تايمز: “الحد الوحيد لسلطتي هو أخلاقي الخاصة، وأنا لست في حاجة إلى القانون الدولي”. هذه العبارة وحدها تكفي لتفكيك كل الأوهام حول النظام العالمي الذي يدعون احترامه.
“نوة الارتكاز” العربية.. صخرة في وجه العاصفة
في خضم هذا المشهد الدولي المضطرب، تبرز “نوة الارتكاز” العربية، بقيادة الثالوث (مصر والسعودية وقطر)، كحائط صد وحيد يتحمل عبء مواجهة عاصفة التصفية الإقليمية. لقد أدرك هؤلاء القادة أن استعراضات القوة الأمريكية، وتهديداتها المتكررة لإيران، ليست سوى محاولة يائسة لفرض معادلات جديدة على المنطقة، دون مراعاة لمصالح شعوبها أو استقرارها. وعندما قال الثالوث العربي كلمته الواضحة: “سماؤنا ليست ممراً للحروب”، كان ذلك عبر زعيمه بلا منازع، الرئيس السيسي، الذي أدرك أن المغامرة العسكرية الأمريكية ضد إيران ستشعل المنطقة بأكملها، وستكون لها تداعيات كارثية لا يمكن السيطرة عليها.
إن “نوة الارتكاز” العربية لم تكتفِ برفض استخدام أراضيها وأجوائها منصة للحروب، بل قادت معركة دبلوماسية صامتة، استطاعت خلالها كشف عورات المخططات الغربية، وإفشال مشاريع التهجير والتصفية. لقد أدرك هؤلاء القادة أن التحدي الحقيقي ليس في مواجهة الطائرات الأمريكية، بل في مواجهة “خوارزميات التغييب” التي تحاول فصل الشعوب عن قياداتها، وزرع سموم الشك واليقين في عقول الأجيال. وفي هذا السياق، تأتي أهمية الخطاب العقلاني الذي يفكك هذه الخوارزميات، ويكشف للشعوب أن صمت القادة لم يكن تخاذلاً، بل كان حكمة من يعرفون خيوط اللعبة الدولية.
إيران وقواعد الاشتباك.. استراتيجية “توسيع الجبهات”
في المقابل، لم تعد طهران تقف موقف المتفرج أمام التحشيد العسكري في المنطقة. موقع “خامنئي” الإعلامي كشف عن استراتيجية رد نوعية تتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية، لتطال المصالح الأمريكية والإسرائيلية بشكل مباشر. التحذير من أن أي عدوان سيؤدي إلى “تغيير الخطوط الحمراء جذرياً” وتوسيع قائمة الأهداف، يعني أننا أمام مواجهة إقليمية واسعة متعددة الجبهات، لن تكون فيها القوات المسلحة الإيرانية وحيدة. إن الرهان الأمريكي على “هجوم محدود” للضغط على طاولة المفاوضات هو “خطأ حسابي فادح” كما وصفه موقع خامنئي، قد يشعل فتيل حرب شاملة لا يمكن السيطرة على تداعياتها.
ما تنساه واشنطن في حساباتها الباردة، أن المنطقة تغيرت، وأن شعوبها لم تعد كما كانت. إن التهديدات الأمريكية بتفكيك المواقع النووية الإيرانية، ومطالبتها بتسليم اليورانيوم المخصب، تصطدم بواقع أن إيران اليوم أقوى مما كانت عليه قبل عقد، وأن حلفاءها في المنطقة أكثر استعداداً للمواجهة. الأهم من ذلك، أن شعوب المنطقة، التي تابع بث المباشر لجرائم الإبادة في غزة، لم تعد تثق في الوعود الأمريكية، ولم تعد تخاف من التهديدات العسكرية. إنها تدرك أن هذه الاستعراضات ليست سوى “مسرحيات” بلا جمهور، وأن “حروب الاختيار” لها تكاليف باهظة، كما أثبتت التجارب السابقة في أفغانستان والعراق.
شعوب المنطقة بين المطرقة والسندان
ما يثير الاستغراب حقاً، هو استمرار الإدانة الغربية للانتهاكات الإسرائيلية، بينما تتواصل عمليات التسليح والدعم العسكري لإسرائيل. بيان الـ18 دولة الذي أدان توسع الاستيطان في الضفة الغربية، لا يختلف عن مئات البيانات السابقة التي لم يكن لها أي تأثير على الأرض. إنها محاولة يائسة لـ”تطهير الضمير” الغربي، وللاستهلاك المحلي، لإظهار أن هناك شيئاً ما يتم فعله، بينما الحقيقة أن المجازر تتواصل، والتهجير مستمر، والضم التدريجي للضفة الغربية يتحقق على الأرض خطوة بخطوة.
شعوب المنطقة التي عاشت ويلات الحروب لعقود، باتت تدرك أن الحل الوحيد هو في تعزيز سيادة الدول العربية، وفي الاصطفاف خلف قياداتها الوطنية التي أثبتت في أحلك الظروف أنها قادرة على حماية مصالحها. لقد آن الأوان أن تدرك هذه الشعوب أن “نوة الارتكاز” العربية ليست مجرد تحالف سياسي، بل هي صخرة صلبة في وجه عواصف التصفية، وأن استعراضات القوة الأمريكية لن ترهب من صمدوا أمام أبشع جريمة إبادة في التاريخ الحديث.
السيادة العربية تنتصر.. واستعراضات القوة تتهاوى
وأختم مقالي بعزة السيادة الذاتية للكلمة، متوجهاً برسالة واضحة إلى كل من يقرأ هذه السطور: لقد آن الأوان أن تدرك واشنطن وحلفاؤها أن المنطقة تغيرت، وأن شعوبها لم تعد ترهبها استعراضات “إف-22” ولا تهديدات حاملات الطائرات. إن “نوة الارتكاز” العربية، بقيادة الثالوث (مصر والسعودية وقطر)، هي الضمانة الوحيدة لإجهاض هندسة الضم، وإيقاف عاصفة التصفية التي تستهدف تفتيت المنطقة. لن ترهبنا استعراضات القوة، ولن تخدعنا محاولات “الاستهلاك المحلي” للسياسات الدولية، فنحن نعيش لحظة مفصلية تتطلب اصطفافاً ملزماً خلف القيادات السياسية الواعية التي ترفض أن تكون المنطقة مسرحاً لـ”حروب الاختيار” الأمريكية أو أطماع القوى الإقليمية.
إن النظام العالمي القديم الذي قام على “حق القوة” قد ولى بلا مودع، والمستقبل سيكتب بمداد السيادة والندية فوق صخرة الارتكاز العربية، رغم أنوف المتآمرين الذين يظنون أن تكنولوجيا القتل يمكن أن تكسر إرادة الأوطان الحرة. إلى صانعي القرار في الغرف المغلقة: حان الوقت لصدمة قرارات سيادية جريئة تستعيد ثقة الشعوب، وتؤكد أن السيادة العربية خط أحمر، وأن “نوة الارتكاز” ليست مجرد شعار، بل هي مشروع وجودي يدفع ثمنه القادة قبل الشعوب. فهل نكون مع “نوة الارتكاز” أم نترك العاصفة تجتاح الجميع؟