صرخة السيادة في وجه «التحالف الشيطاني»
في لحظة فارقة من عمر الزمان، وبينما كانت شعوب المنطقة ترفع أكف الضراعة في منتصف شهر رمضان المبارك، اختار «التحالف الشيطاني» (واشنطن-تل أبيب) أن يحرق سماء الإقليم بصواريخ الغدر، مؤكداً أن العالم لم يعد غابة فحسب، بل صار مسرحاً لمغامرات نخب غارقة في مستنقع ملف «إبستين» القذر. إن الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران في العاشر من رمضان ليس مجرد عمل عسكري، بل هو «طعنة في ظهر الدبلوماسية» ورسالة انتقامية خبيثة تحاول غسل عار الهزيمة المذلة التي تجرعها الاحتلال في نفس التاريخ قبل عقود. إننا اليوم لا نواجه حرباً دفاعية كما يدعي «ترامب» المنقاد من عنقه لإرضاء حليفه «نتنياهو»، بل نحن أمام «محرقة قواعد» كشفت أن الأمن المستأجر هو أكبر خديعة هددت سيادتنا. فكيف نصدق نظاماً عالمياً تتباكى مؤسساته (مجلس الأمن) على السلم الدولي، وهي التي وقفت صامتة تشاهد أبشع جريمة إبادة في غزة؟ لقد قضى هذا التحالف على بقايا “النظام القديم” برمته، ليضعنا أمام خيار واحد لا بديل عنه: الاصطفاف الحتمي والوجودي خلف الدولة المصرية ونواة «الثالوث العربي»؛ فهي صمام الأمان الوحيد الذي يمتلك رصانة القرار في وجه نخب دولية فقدت شرعيتها الأخلاقية والسياسية. إن السيادة اليوم ليست ترفاً، بل هي وعيٌ يجهض فخاخ التصفية، وقرارٌ مستقلٌ يرفض أن تكون أراضينا وسماؤنا ممراً لحروب الوكالة لصالح مغتصبي الأطفال.
«محرقة القواعد».. خديعة الحماية المستأجرة التي انكشفت
يكشف نبيل أبوالياسين أن القواعد الأمريكية المنتشرة في منطقتنا، والتي بيعت لشعوبنا على أنها «صمامات أمان» وضمانات استقرار، تحولت في لحظة عدوان إلى «منصات استهداف» تجلب الدمار لشعوب المنطقة. إن ما نشهده اليوم هو انكشاف كامل لخديعة «الحماية المستأجرة» التي راهنت عليها بعض الأنظمة لعقود. فالأمن الحقيقي لا يُصنع بقواعد عابرة ولا بجيوش مستأجرة، بل يُصنع بقرار وطني مستقل يضع مصلحة الشعوب فوق كل اعتبار. ويؤكد أبوالياسين أن استمرار تواجد هذه القواعد على أرضنا لم يعد مقبولاً، خاصة بعد أن أثبتت الأحداث أنها تتحول بسهولة إلى أدوات ضغط وابتزاز، وتجر المنطقة إلى حروب لا ناقة لنا فيها ولا جمل. لقد حان الوقت لمراجعة شاملة لهذا الوجود العسكري الأجنبي، الذي بات يشكل خطراً وجودياً على أمننا القومي، وليس ضمانة له كما زُعم.
ملف «إبستين».. الابتزاز القذر الذي يشعل الحروب
يضع أبوالياسين يده على الجرح النازف، كاشفاً الخلفية الحقيقية لهذه المغامرة العسكرية الجنونية. فما يحدث اليوم ليس حرباً دفاعية، ولا حتى حرباً أمريكية بمعنى الكلمة، بل هي «مغامرة انتخابية» شخصية لرجل مأزوم يُدعى ترامب، يجر من عنقه إلى مستنقع الحرب إرضاءً لنتنياهو الذي يبتزه بملف «إبستين» القذر. إنها المرة الأولى في التاريخ الحديث التي تُشن فيها حرب شاملة ليس لدفع تهديد أو حماية مصالح، بل لإخفاء فضائح نخبة غارقة في مستنقع الانحلال الأخلاقي. ويشير أبوالياسين إلى أن توقيت العدوان في العاشر من رمضان يحمل دلالة خبيثة، فهو محاولة يائسة لرد الاعتبار لهزيمة إسرائيل المذلة في نفس التاريخ، وكأن الصواريخ يمكن أن تمحو عار الفرار الذي سطره أجدادهم. لكنهم ينسون أن الشعوب التي تصدت لهم في الماضي هي نفسها الشعوب التي ستصمد اليوم، وأن «نوة الارتكاز» العربية لم تلد بعد.
سقوط «مجلس الأمن».. وصمت المخزي للأوثان الدولية
يتساءل أبوالياسين باستنكار: أي مجلس أمن هذا الذي يدعون لعقده اجتماعات عاجلة الآن، بعد أن وقف متفرجاً على أبشع جريمة إبادة في غزة لأكثر من عام؟ أي شرعية دولية هذه التي تتحرك اليوم لمناقشة «خطر الحرب» بعد أن سكتت طويلاً عن المجازر اليومية بحق الأطفال والنساء؟ ويؤكد أن «النظام العالمي القائم على القواعد» قد مات، بل أقبرته أيادي من أسسوه بأنفسهم. فلم يعد هناك أي مبرر للحديث عن قانون دولي بعدما استُخدمت الدبلوماسية والمفاوضات كخطة «خداع حربي» لتمرير الأجندات. ويلفت أبوالياسين إلى أن الموقف الأوروبي المحرج (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) يكشف التناقض الصارخ: كيف يُسمح لترامب بمهاجمة إيران، بينما يُدان بوتين على حربه في أوكرانيا؟ الجواب بسيط: العالم تحكمه المصالح، لا المبادئ، والمعايير تُكيل بمكيالين فجين. هذا السقوط المدوي للأوثان الدولية هو أكبر دليل على أن المنطقة لا يمكنها الاعتماد إلا على ذاتها، وأن السيادة الوطنية هي الملاذ الوحيد.
النفاق وازدواجية المعايير.. الإرهاب الذي تصنعه واشنطن
يكشف أبوالياسين التناقض الفاضح في الخطاب الغربي، الذي يتشدق بمحاربة الإرهاب ويتغاضى عن أسبابه الجذرية: عقود من الحروب الإقليمية، احتلال دائم، تطهير عرقي، وتجريد للإنسانية. بينما يُعرب مؤيدو العدوان عن دعمهم المطلق لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، يلتزمون صمتاً مطبقاً حيال الترسانة النووية الإسرائيلية المجاورة، التي تهدد المنطقة بأكملها. إنها ازدواجية معايير فاقت كل تصور، جعلت الناس في العالم العربي والإسلامي «يكفرون» ذهنياً بفكرة النظام الدولي العادل. ويؤكد أبوالياسين أن الحديث عن «الإرهاب» أصبح مجرد ستار دخان لتغطية جرائم الاحتلال ومغامرات النخب المارقة. فالإرهاب الحقيقي هو ما ترتكبه هذه النخب بحق شعوب المنطقة، مستغلة قواعدها المنتشرة في كل مكان، وداعمة لآلة الحرب الإسرائيلية بكل ما أوتيت من قوة.
«الثالوث العربي».. صخرة الصمود في وجه العاصفة
يشيد أبوالياسين بموقف «الثالوث العربي» (مصر، السعودية، قطر) وكافة الدول العربية الرافضة للانجرار وراء هذه الحرب العبثية. فالتصريحات الواضحة التي أكدت رفض استخدام الأراضي والأجواء العربية منصة للحروب، تمثل صخرة صلبة في وجه مخططات التصفية. ويوجه أبوالياسين نداءً عاجلاً إلى كافة الدول العربية بمراجعة تواجد القواعد الأمريكية على أراضيها فوراً، مؤكداً أن التحذيرات السابقة كانت في محلها: هذه القواعد لم تكن لحماية دولنا، بل لخدمة أجندات إسرائيل، واليوم نشاهد استهدافها والضحايا هم شعوبنا. إن الحماية المستأجرة لا تصنع سيادة، وقد آن الأوان لإدراك أن أمننا الحقيقي لن يتحقق إلا بقرارنا المستقل، لا بقواعد الآخرين. ويضيف أن الموقف العماني الذي أعرب عن أسفه لـ«تقويض مفاوضات نشطة وجادة» يعكس خيبة أمل العقلاء في المنطقة تجاه هذه المغامرة العبثية التي لا تخدم إلا مصالح نخب فاسدة.
الصين تكشف.. أمريكا مدمنة حروب ومصدر فوضى دولية
يستشهد أبوالياسين بتصريحات صينية كاشفة، تؤكد أن الولايات المتحدة «مدمنة على الحروب»، وأن تاريخها الذي يزيد عن 240 عاماً لم يشهد سوى 16 عاماً فقط دون حروب. كما تمتلك الولايات المتحدة 800 قاعدة عسكرية خارجية في أكثر من 80 دولة ومنطقة، مما يجعلها السبب الرئيسي للفوضى الدولية والاضطرابات العالمية. هذه الأرقام الصادمة تكشف زيف الخطاب الأمريكي عن السلام والديمقراطية، وتؤكد أن ما يسمى «النظام العالمي» هو مجرد غطاء لسياسات الهيمنة والنهب. ويؤكد أبوالياسين أن العالم لم يعد يقبل هذا الوهم، وأن شعوب المنطقة باتت تدرك أن من يدعون حمايتها هم في الحقيقة أكبر تهديد لأمنها واستقرارها. فهل بعد هذه التصريحات الصينية الرسمية يبقى لأحد عذر في التمسك بـ«الحماية المستأجرة»؟
شبح 2003 يطل من جديد.. هل نكرر المأساة؟
يحذر أبوالياسين من أن مغامرة ترامب العسكرية ضد إيران تستعيد مفردات مرحلة غزو العراق ذاتها، من «تغيير السلوك» و«نزع أسلحة الدمار الشامل» إلى التلويح بالقوة والتهديدات الفارغة. إنها نفس السيناريوهات التي أدت إلى كارثة إنسانية في العراق، وزعزعة استقرار المنطقة لعقود، وإبادة شعب بأكمله تحت عناوين زائفة. ويؤكد أن المنطقة لن تسمح بتكرار هذه المأساة، وأن «نوة الارتكاز» العربية تمتلك من الوعي والحكمة ما يمكنها من إجهاض هذا المخطط الخبيث. كما يشير إلى الموقف الداخلي الأمريكي المعارض للحرب، حيث صرحت كامالا هاريس أن «ترامب يجر الولايات المتحدة إلى حرب لا يريدها الشعب الأمريكي»، معتبرة أن القوات الأمريكية في خطر بسبب «حرب ترامب الانتخابية». هذه الحرب تفتقر إلى الشرعية الداخلية، ودوافعها شخصية بحتة، مما يجعلها أخطر من حروب بوش الابن التي كانت لعنة على أمريكا والعالم.
الاصطفاف الوجودي.. لا خيار آخر لإنقاذ المنطقة
يختتم أبوالياسين تحليله بدعوة حاسمة لشعوب المنطقة بالاصطفاف الوجودي خلف قادتها السياسيين، وترك كل الخلافات الداخلية جانباً، والوقوف صفاً واحداً في وجه هذه العاصفة. ويؤكد أن «الصمود الأسطوري» الذي أبداه «الثالوث العربي» في مواجهة التحديات السابقة، هو نفسه الصمود المطلوب اليوم لمواجهة هذا العدوان الغاشم. إن فشل المنطقة في إقامة نظام أمني إقليمي ذاتي على مدى سنوات طويلة، هو ما أوصلنا إلى هذه الحالة من الضعف والتبعية التي نعيشها اليوم. لكن هذا الفشل ليس قدراً محتوماً، بل يمكن تداركه بالعودة إلى «نواة الارتكاز» العربية، وفرض السيادة الوطنية عنوة، ورفض أي تدخل خارجي في شؤون المنطقة. مصر هي قلب هذه النواة، بثقلها التاريخي وحكمتها السياسية وقدرتها على قيادة المنطقة نحو مستقبل أكثر استقراراً. فهل نلتفت إلى هذا النداء قبل فوات الأوان؟
نهاية التاريخ.. أم بداية السيادة؟
وختم أبوالياسين بيانه برسالة نارية إلى العالم أجمع: لقد انتهى زمن «الأوثان الدولية» التي عبدتها الشعوب لعقود، وسقطت الأقنعة عن وجوه نخب غربية كانت تتستر خلف شعارات الحرية والديمقراطية، لتكشف عن وحوش في صورة بشر، أغتصبوا الأطفال في عقر دارهم وأشعلوا الحروب لإخفاء عوراتهم. إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع عسكري، بل هو لحظة فارقة في تاريخ البشرية، ستحدد مسار العالم لعقود قادمة. فإما أن تستيقظ الأمم وتدرك أن السيادة هي الخيار الوحيد، وأن الاصطفاف خلف قياداتها الوطنية هو الضمانة الوحيدة للبقاء، وإما أن نظل أسرى لهذه المغامرات الجنونية التي تقودها نخب فقدت كل شرعية أخلاقية وسياسية.
إن «نهاية التاريخ» التي بشّر بها فوكوياما لم تكن نهاية الأيديولوجيات، بل كانت بداية عصر جديد من الهيمنة الغربية التي تهاوت اليوم على يد من أسسوها بأنفسهم. والتاريخ الآن يكتب فصلاً جديداً، عنوانه العودة إلى السيادة، والتمسك بالهوية، وبناء أنظمة أمن إقليمية قادرة على حماية شعوبها من مغامرات النخب المارقة.
نداءنا الأخير إلى كل عربي ومسلم: اصطفوا خلف قادتكم، وثقوا في قرارهم المستقل، ولا تتركوا مستقبل أبنائكم رهينة لحروب الوكالة التي تشعلها نخب مغتصبة للأطفال في عقر دارهم. السيادة هي السلاح الوحيد الذي لا تخترقه الصواريخ، والوعي هو الدرع الذي لا يخترقه التضليل. فهل نكون معاً في هذه المعركة المصيرية؟