لحظة فارقة في تاريخ المنطقة
في الوقت الذي كانت فيه شعوب المنطقة تتابع بذهول مشاهد الصواريخ التي تنهمر على سماء طهران، وتعلو أصوات التكبيرات في شهر رمضان مختلطة بدوي الانفجارات، جاء الإعلان الصادم: رحيل آية الله علي خامنئي، الرجل الثاني في تاريخ الجمهورية الإسلامية، بعد أكثر من 36 عاماً قضاها على رأس الهرم في إيران. هذا الحدث، الذي وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه “الفرصة الأكبر للشعب الإيراني لاستعادة بلاده” ، ليس مجرد تطور عسكري عابر، بل هو زلزال استراتيجي ستعيد تداعياته رسم خريطة المنطقة برمتها. ففي لحظة تاريخية كهذه، حيث تُقتلع أعمدة نظام قائم منذ عام 1979، تتغير المعادلات وتُعاد حسابات القوى الإقليمية، وتظهر فراغات خطيرة قد تمتلئ بالدماء قبل الدبلوماسية. إن رحيل خامنئي، الذي كان صاحب الكلمة العليا في كل قرارات الحرب والسلام، والموجه الأول للاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، يضع الجميع أمام تحديات وجودية لا تحتمل الانتظار .
فراغ القيادة وصراع ما بعد الرحيل
يُشكل غياب خامنئي، الذي لم يعلن رسمياً عن خليفة له، فراغاً هائلاً في بنية النظام الإيراني . فطوال 36 عاماً، كان هذا الرجل هو الملهم الأول والحارس الأمين لتركة الخميني، وهو من أمسك بكل خيوط اللعبة: من الحرس الثوري إلى المؤسسة الدينية، ومن السياسة الخارجية إلى الملف النووي. رحيله في هذه الظروف، بضربة عسكرية موجعة، يخلق حالة من الصدمة داخل النظام قد تمهد لصراع مرير على السلطة بين تيارات متعددة. على رأس هذه التيارات، يبرز نفوذ الحرس الثوري الإيراني (IRGC)، الذي يعتبر الشريك الأقوى للنظام والضامن الحقيقي لاستمراريته منذ عقود . هناك من يشير إلى أن الخليفة الأكثر ترجيحاً قد يأتي من داخل الحرس، مما يعني استمرار النهج المتشدد، بل ربما تحوله إلى نسخة أكثر عسكرية وانغلاقاً .
في الجهة الأخرى، توجد المؤسسة الدينية ورجال الدين التقليديين، الذين قد يرون في هذه اللحظة فرصة لاستعادة نفوذهم بعد أن طغى الحرس الثوري على المشهد. هناك أيضاً شخصيات سياسية بارزة مثل علي لاريجاني، أو حتى نجل خامنئي، مجتبى، الذي يُعتبر على الدوام مرشحاً محتملاً للخلافة . الصراع بين هذه الأجنحة، في ظل غياب مرجعية عليا معترف بها، قد يؤدي إلى انقسام داخلي خطير يضعف قدرة إيران على الرد المتماسك على الضربات الخارجية أو احتواء الغضب الشعبي المتصاعد. هذا الفراغ هو أكثر ما يقلق جيران إيران والعواصم الغربية على حد سواء، لأنه يجعل سلوك الدولة الإيرانية في المرحلة المقبلة غير قابل للتنبؤ، مما يزيد من احتمالات الانهيار الداخلي أو التصعيد الخارجي غير المحسوب.
الشارع الإيراني بين الصدمة والأمل
المشاهد التي خرجت من طهران عقب الإعلان عن مقتل خامنئي كانت متضاربة وتحمل دلالات عميقة. فبينما أذاع التلفزيون الرسمي مشاهد المذيعين الباكين، خرجت فيديوهات من الشوارع تظهر مواطنين إيرانيين يرقصون فرحاً ويطلقون الأبواق احتفالاً . هذا التناقض الصارخ يعكس عمق الانقسام بين النظام والشعب الذي قمعه لعقود. خامنئي، الذي قاد أجهزة الأمن في قمع الانتفاضات الشعبية المتعاقبة، من احتجاجات 2009 وصولاً إلى احتجاجات مهسا أميني والعام الحالي، أصبح رمزاً للقمع بامتياز . سقوطه بهذه الطريقة يمثل صدمة للنظام وبارقة أمل للملايين الذين يرون فيه العقبة الكبرى أمام التغيير .
لكن هذا الفرح محفوف بالمخاطر. فإذا انشغلت قوى الأمن والجيش بصراعاتها الداخلية على السلطة، فقد تبرز فرصة حقيقية لانتفاضة شعبية واسعة. لكن إذا تمكن الحرس الثوري من لملمة الصفوف واختيار خليفة بسرعة، فسيكون الرد قاسياً على أي مظاهرات. مصير الربيع الإيراني المحتمل معلق الآن في الميزان. إن الشعوب المجاورة، والعربية منها خاصة، تراقب هذا المشهد بدقة؛ فسقوط نظام الملالي أو تحوله سيفتح فصلاً جديداً بالكامل في المنطقة، وقد تكون رياحه عاتية على الجميع. هذا هو جوهر “الزلزال” الذي تحدثنا عنه: زلزال سياسي واجتماعي وأمني، ستمتد موجاته الارتدادية إلى كل عاصمة في الشرق الأوسط.
القواعد الأمريكية بين مطرقة الانتقام وسندان السيادة
في تطور يؤكد صحة التحليلات السابقة، تحولت القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج إلى أهداف مباشرة للصواريخ والمسيرات الإيرانية الانتقامية. فقاعدة الأسطول الخامس في البحرين تعرضت لهجوم، والكويت أعلنت عن إصابات في قاعدة علي السالم الجوية، والدوحة شهدت انفجارات، والسعودية تصدت لهجمات استهدفت العاصمة . هذا المشهد الدامغ يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن تواجد قواعد عسكرية أجنبية على أرضنا لا يجلب الأمان، بل يحوّل الدول المستضيفة إلى قطع على رقعة الشطرنج، تدفع ثمن صراعات لا علاقة لها بها من دماء أبنائها ومقدراتها.
ما حدث في الساعات الماضية هو أكبر دليل على خطورة “الحماية المستأجرة”. هذه القواعد، التي بيعت لشعوبنا على أنها ضمانة للاستقرار، تحولت في لحظة إلى “منصات استهداف” تجلب ويلات الحرب إلى المدن السكنية والمنشآت الحيوية. إن إيران، في ردها الانتقامي، لم تستهدف إسرائيل أو القوات الأمريكية في قواعدها البعيدة فحسب، بل استهدفت وجودها ذاته على أراضينا العربية، مما وضع هذه الدول في مرمى النيران المباشرة. هذا يؤكد الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة لهذه الاتفاقيات، والعمل بجدية نحو بناء نظام أمن إقليمي ذاتي، لا يعتمد على قوى خارجية أثبتت أنها تضع مصالحها فوق أمن وحياة شعوب المنطقة.
«نوة الارتكاز» العربية أمام اختبار التاريخ
الموقف العربي الموحد الذي أعلن رفض استخدام الأراضي والأجواء العربية منصة للصراع، أثبت صحته وحكمته. فالتهديدات الإيرانية طالت دول الخليج رغم وجود القواعد الأمريكية، مما يجعل خيار “الحياد الإيجابي” والاصطفاف خلف القيادات الوطنية، وفي مقدمتها “نوة الارتكاز” المتمثلة في مصر والسعودية وقطر، هو الخيار الوحيد للحفاظ على ما تبقى من أمن واستقرار. هذه اللحظة التاريخية تفرض على الدول العربية، بل تفرض على شعوبها أيضاً، الاصطفاف الوجودي خلف قادتها.
إن غياب نظام أمن إقليمي عربي متماسك جعل المنطقة رهينة للصراع الإيراني-الأمريكي لعقود. واليوم، مع انهيار أحد أهم أركان النظام الإيراني، تزداد الفوضى وتتشظى مراكز القوى. هذا ليس وقت الانقسامات الداخلية ولا وقت الخلافات الثنائية. هذا وقت الوحدة، وقت الاصطفاف حول “نوة الارتكاز” التي تمتلك ثقلاً سياسياً ورصانة قرار قادرة على حماية المصالح العربية العليا في خضم هذا العصف الإقليمي. إن نجاح أو فشل هذا الاصطفاف سيحدد مصير المنطقة للأجيال القادمة.
سقوط «الأوثان الدولية» وزيف الشرعية
مرة أخرى، يقف المجتمع الدولي ومؤسساته العاجزة متفرجاً بينما تشتعل المنطقة. الدعوات إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن تبدو اليوم أقرب إلى المهزلة منها إلى الحلول الجادة. أي مجلس أمن هذا الذي يتحرك اليوم لمناقشة “التهديد للسلم الدولي”، بعد أن ظل صامتاً طيلة أشهر على أبشع جريمة إبادة في غزة؟ هذه الحرب المعلنة، التي تشنها أمريكا وإسرائيل على إيران دون تفويض دولي ودون سند قانوني، هي القاضية على أي بقايا لـ”النظام العالمي القائم على القواعد”. لقد كشفت الأحداث أن العالم تحكمه لغة القوة وحدها، وأن المؤسسات الدولية لم تعد أكثر من أوثان تعبد في أيام السلم وتُترك لتسقط في أيام الحرب .
هذا السقوط المدوي للأوثان الدولية يجب أن يكون درساً للجميع. لا أحد سيحمي المنطقة سوى أبنائها، ولا أمن حقيقياً إلا ما صنعناه بأيدينا. لقد آن الأوان لندرك أن الاعتماد على القوى الكبرى في حماية سيادتنا هو وهم كبير، وأن ما يجري الآن هو أكبر دليل على ضرورة التحرك الجماعي المستقل.
بين نهاية حقبة وبداية مخاض جديد
وأختم برسالة واضحة إلى كل من يقرأ هذه السطور: ما نشهده اليوم ليس مجرد حادث عابر في صراع طويل، بل هو لحظة فاصلة في تاريخ المنطقة. رحيل خامنئي يغلق حقبة دامت 36 عاماً ويفتح الباب على مصراعيه لمخاض جديد، شديد الخطورة وغير مضمون النتائج. فإما أن تشهد المنطقة انهياراً تدريجياً لنظام طهران ودخولاً في فوضى عارمة، أو صراعاً دولياً مفتوحاً على جبهات متعددة، أو قد نرى – في سيناريو أقل ترجيحاً – تحولاً داخلياً يقوده الشعب الإيراني الذي أنهكه القمع والعزلة.
في كل هذه السيناريوهات، تبقى الدول العربية، وفي مقدمتها مصر بثقلها التاريخي ووعيها الاستراتيجي، هي صمام الأمان الوحيد المتبقي. إن الاصطفاف المطلوب اليوم ليس خياراً تكتيكياً ولا مناورة سياسية، بل هو ضرورة وجودية تفرضها علاقة الدم والمصير المشترك. القواعد الأجنبية أثبتت أنها لا تحمي، والمؤسسات الدولية أثبتت أنها لا تغيث، والنظام العالمي أثبت أنه وهم. السيادة العربية، المدعومة بإرادة شعبية واعية وقرار مستقل حكيم، هي السلاح الوحيد الذي سيحمي المنطقة من أن تغدو ساحة حرب لصالح أجندات لا تعرف للكرامة الإنسانية معنى. فهل نكون على قدر هذه المسؤولية التاريخية؟