عبدالرحيم عبدالباري
لم تعد الأمراض النادرة حكايات هامشية تُروى في صمت البيوت، ولا أرقامًا باهتة في تقارير طبية مغلقة، بل أصبحت قضية إنسانية وعلمية تتقدم الصفوف. في احتفالية اليوم العالمي للأمراض النادرة، أكد الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، أن مصر لم تعد متلقية للسياسات الصحية العالمية، بل شريكًا فاعلًا في صياغة أول تحرك دولي منظم لعلاج الأمراض النادرة. إنها لحظة مفصلية تعلن أن الحق في العلاج لا يُقاس بعدد المصابين، بل بعمق المسؤولية تجاه كل إنسان.

في كلمته خلال الاحتفالية، شدد الوزير على أن نحو 300 مليون شخص حول العالم يعانون من أمراض نادرة، وهو رقم كفيل بتحويل “الندرة” إلى قضية كونية. وأكد أن الشعار العالمي «ارتقِ، ابتكر، فعّل» ليس مجرد دعوة رمزية، بل خارطة طريق لبناء أنظمة صحية تتجاوز رفع الوعي إلى الفعل المؤسسي القابل للقياس. فالتحدي لم يعد في الاعتراف بالمشكلة، بل في هندسة حلول مستدامة تدمج التشخيص المبكر بالتمويل العادل والرعاية المتكاملة.
وعرض الوزير مسارًا طويلًا من العمل التراكمي، بدأ بالبرنامج القومي للكشف المبكر لحديثي الولادة، الذي توسع ليشمل فحص 19 مرضًا وراثيًا خلال أول 72 ساعة من الحياة، في خطوة تعكس إيمان الدولة بأن الوقاية والمعرفة المبكرة هما خط الدفاع الأول. كما أشار إلى المبادرة الرئاسية للكشف المبكر عن الأمراض النادرة، بوصفها انتقالًا من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن الانتظار إلى المبادرة، حمايةً لأطفال قد تُغيّر دقيقة تشخيص مبكر مستقبلهم بالكامل.
وفي تحول نوعي، أعلن الوزير إنشاء صندوق الأمراض النادرة كآلية تمويل مستدامة تضمن توفير العلاجات المنقذة للحياة وفقًا للاحتياج الطبي، مع تشكيل لجنة علمية عليا حددت 12 مرضًا ذا أولوية وطنية. وفي هذا السياق، كانت كلمة تقدير مستحقة للأستاذ الدكتور إبراهيم عبدالعاطي المدير التنفيذي لصندوق مواجهة الطوارئ الطبية، الذي يمثل دور مؤسسته ركيزة داعمة لتأمين التدخلات العلاجية العاجلة، وترسيخ مفهوم أن العدالة الصحية مسؤولية تضامنية لا تقبل التأجيل أو الانتقائية.
أما الاستراتيجية الوطنية للأمراض النادرة للسنوات الخمس المقبلة، فتمثل إطارًا متكاملًا يدمج التشخيص ومسارات الرعاية ونظم البيانات والسجل الوطني في منظومة واحدة قابلة للتقييم والمراجعة. وأكد الدكتور محمد حساني، مساعد الوزير لشئون مشروعات ومبادرات الصحة العامة، أن نسبة الإصابة عالميًا تتراوح بين 3.5% و6%، وأن 80% من هذه الأمراض ذات أصل وراثي، ما يفرض حتمية الاستثمار في البحث العلمي والحوكمة الرشيدة لضمان خدمات عادلة ومستدامة للمرضى وأسرهم.
دوليًا، برز الدور المصري في قيادة اعتماد أول قرار تاريخي بجمعية الصحة العالمية بشأن الأمراض النادرة، تمهيدًا لوضع خطة عمل عالمية لعشر سنوات. وهو ما يعكس انتقال مصر من مربع التنفيذ المحلي إلى دائرة التأثير الدولي، عبر إنتاج المعرفة وبناء القدرات وأبحاث الجينوم. كما أوضح الدكتور إسلام عنان، استشاري اقتصاديات الصحة، أن هذه الاستراتيجية تمثل تحولًا مؤسسيًا مستدامًا مدعومًا بإرادة سياسية واضحة وتخطيط علمي دقيق يعزز فرص الوصول للتشخيص والعلاج رغم التحديات المعقدة.
ولم تكن الفعالية المضيئة بـ«الكاياك» سوى رسالة رمزية بأن التضامن ليس شعارًا يُرفع، بل ضوءًا يُرى في العتمة. فحين تتحد الدولة والعلم والمجتمع خلف قضية واحدة، يتحول الألم الفردي إلى مسؤولية جماعية.
إن الأمراض النادرة قد تكون محدودة في أعدادها، لكنها عظيمة في اختبارها لضمير العالم. وما أعلنته مصر في هذه المناسبة ليس مجرد إنجاز صحي، بل تعهد إنساني بأن لا يُترك مريض خلف الركب لأن حالته “نادرة”. فحين تُبنى السياسات على العلم، ويُصان القرار بالإرادة، ويُضاء الطريق بالتكافل، يصبح الأمل حقيقة تُكتب، لا حلمًا يُؤجل.