حين يغيب الوعي ويشتعل الوهم
في لحظة فارقة تتهاوى فيها “الأوثان الدولية” تحت وطأة جنون القوة، يقف العالم اليوم أمام مشهد عبثي يؤكد ما أسميناه «الاغتراب الإدراكي» الذي يحاول البيت الأبيض فرضه على العقل الجمعي؛ فبينما يستعد “ماركو روبيو” لتقديم إفادته في الكونغرس، تشتعل المنطقة بـ «محرقة قواعد» بدأت من طهران ولن تنتهي في بيروت أو بغداد. إن دعوة ترامب للإيرانيين بالانتفاض، تزامناً مع مقتل خامنئي وتصاعد نزيف الجنود الأمريكيين الذي اعترف به بنفسه، ليست إلا “هروباً للأمام” لإرضاء طموحات نتنياهو وتصفية حسابات شخصية مرتبطة بابتزازات «ملف إبستين» وانحلال النخبة. وبينما تئن قرى جنوب لبنان تحت وطأة التهجير القسري، وتنتفض بغداد ضد “الخداع الأمريكي”، تبرز شهادة “أحمد داود أوغلو” لتصدق على رؤيتنا في «هندسة السيادة»؛ محذرة من “خديعة الأفعى” التي تستهدف الوصول من النيل إلى الفرات. إننا أمام “صحوة وعي” أمريكية غير مسبوقة ترفض أن تكون وقوداً لحرب “مغتصب الأطفال” التي تفتقر للشرعية الدولية وتغرق في مستنقع تصفية الشعوب لصالح أجندات شيطانية.
ماركو روبيو والكونغرس.. استجواب في زمن “الانقلاب الإعلامي”
يستعد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لتقديم إفادته أمام مجلسي النواب والشيوخ في لحظة استثنائية، حيث لم يعد الإعلام الأمريكي مجرد ناقل للخبر، بل تحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة مع الرئيس ترامب. فبينما يحاول البيت الأبيض تسويق رواية “الانتصار السريع” على إيران، يكشف الإعلام الأمريكي عن الوجه الآخر لهذه المغامرة العسكرية: مئات القتلى والجرحى من الجنود الأمريكيين، استهداف حاملة الطائرات “لينكولن” بأربعة صواريخ كروز، وإغلاق القاعدة الأمريكية في الكويت بالكامل. هذه الأرقام التي أعلنها الحرس الثوري الإيراني، والتي أكدت مقتل 550 جندياً أمريكياً حتى الآن، وضعت الإدارة الأمريكية في موقف لا تحسد عليه. واللافت أن الإعلام الأمريكي، الذي اعتاد دعم الرؤساء في أوقات الحرب، بدأ ينقلب علناً على ترامب، متسائلاً: “هل نحن في حرب؟ وهل هي حربنا؟” في إشارة واضحة إلى أن هذه المغامرة تفتقر إلى الشرعية الدولية والقبول الشعبي، وأن ما يسمى بـ”الاغتراب الإدراكي” الذي يحاول البيت الأبيض فرضه على العقل الأمريكي، لم يعد يجدي مع شعب بدأ يستيقظ على حقيقة أن من يقوده هم نخبة مغتصبة للأطفال في ملف “إبستين” الشهير.
ترامب بين “الوهم” و”الابتزاز”.. هل يدفع نتنياهو فاتورة الانتقام؟
تصريحات ترامب لنيويورك تايمز بأنه “واثق أن إيران ستستسلم في النهاية لإرادة الولايات المتحدة وإسرائيل” تكشف حجم الوهم الذي يعيشه هذا الرئيس. ففي الوقت الذي يعترف فيه علناً بأن “من المرجح سقوط المزيد من القتلى الأمريكيين” قبل انتهاء العمليات، يصر على المضي قدماً في مغامرته العسكرية التي لا تحظى بشرعية داخلية ولا دولية. الأكاديميون والمحللون يتساءلون: هل هذه الحرب قانونية؟ والإجابة واضحة: الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على إيران تمثل مزيداً من تآكل النظام القانوني الدولي. فبموجب القانون الدولي، هذه الهجمات ليست استباقية ولا قانونية، خاصة أنها أطلقت بينما كانت المفاوضات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران جارية بنشاط. قبل يومين فقط، اختتمت الجولة الأكثر كثافة من المحادثات الأمريكية الإيرانية في جنيف، حيث وافق الجانبان على الاستمرار. ثم جاءت القنابل. هذا التناقض الصارخ يكشف أن ما يحرك ترامب ليس المصالح الأمريكية، بل ابتزاز نتنياهو له بملف “إبستين” القذر، الذي فضح النخبة الأمريكية وأظهر أن من يدعون القيم والأخلاق هم في الحقيقة وحوش في صورة بشر.
لبنان بين “التهجير القسري” و”صمت العالم”
في مشهد يتكرر كالكابوس، طلبت إسرائيل من سكان عشرات القرى في جنوب لبنان إخلاء منازلهم قبل غارات جوية، في عملية تهجير قسري ممنهج تطال أكثر من 50 قرية وبلدة. صريفا، معروب، دبعال، بافليه، قانا، بنت جبيل، عيترون… أسماء باتت على قوائم النزوح، بينما تفتح بيروت مدارسها ومراكز الإيواء لاستقبال آلاف النازحين. الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت تسبب دماراً كبيراً، وحزب الله يرد بإطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل لأول مرة منذ اتفاق وقف إطلاق النار. هذا التصعيد الخطير كان متوقعاً، وقد حذرنا منه مراراً: المنطقة تنزلق إلى صراع لا يدفع ثمنه غير شعوبها. القناة 12 الإسرائيلية تعلن عن هجوم بـ6 صواريخ من لبنان، وهيئة البث الإسرائيلية تؤكد أن حزب الله يطلق صواريخ باتجاه الشمال، متوعدة بالرد بقوة. وفي هذا المشهد الدامي، يبقى السؤال: أين المجتمع الدولي؟ أين الأمم المتحدة؟ أين “النظام العالمي القائم على القواعد” الذي يتغنى به الغرب بينما تُهجر القرى وتُقصف المدن؟.
بغداد تنتفض.. والسفارة الأمريكية في مرمى الغضب
لم تكن بيروت وحدها مسرحاً للتصعيد، ففي بغداد، وقعت مواجهات عنيفة بين متظاهرين والشرطة العراقية قرب السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء. المتظاهرون، الذين حاولوا اقتحام السفارة للمرة الثانية، أطلقوا رصاصاً حياً أصاب أفراد الأمن، وفقاً لخلية الإعلام الأمني الحكومية. قوات الأمن العراقية استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق الجموع، وسيارات الإسعاف هرعت إلى المكان، وحالات اختناق سُجلت. هذا الغضب العراقي ليس وليد اللحظة، بل هو تراكم لسنوات من التواجد الأمريكي الذي لم يجلب للعراق سوى الدمار والفوضى. واللافت أن السفارة الأمريكية نفسها دعت مواطنيها إلى توخي الحذر، محذرة من أن التظاهرات قد تتحول إلى أعمال عنف. هذا الاعتراف الضمني بحجم الخطر الذي تواجهه المصالح الأمريكية في المنطقة، يؤكد ما حذرنا منه في مقال “محرقة القواعد”: أن القواعد الأمريكية ليست صمامات أمان، بل هي أكبر خطر على شعوب المنطقة، لأنها تحول أرضنا إلى ساحة حرب. #السيادة_قبل_الحماية_المستأجرة.
“خديعة الأفعى”.. أحمد داود أوغلو يكشف المخطط
يأتي تصريح أحمد داود أوغلو، رئيس وزراء تركيا الأسبق، كشهادة استراتيجية صادمة تؤكد ما حذرنا منه حول “محرقة القواعد” وسقوط الأوثان الدولية. ففي تحليله للمشهد، يؤكد أوغلو أن الهجوم الحالي على إيران ليس إلا “ستار دخان” لتمهيد الطريق أمام الكيان الصهيوني للاستيلاء على ما يزعم أنها “أرض الميعاد”، الممتدة من النيل إلى الفرات. ويهاجم أوغلو بشدة الدول التي تلتزم الصمت، واصفاً إياها بمن يتبنى منطق “دع الأفعى التي لا تلمسني تعش ألف عام”، محذراً من أن هذه الأفعى لن تستثني أحداً بمجرد انفرادها بالساحة. هذا التصريح يتقاطع تماماً مع دعوتنا لـ “الاصطفاف الوجودي” خلف الدولة المصرية ونواة “الثالوث العربي”. فأوغلو يرى أن الصمت العربي والإقليمي يمنح “نخبة مغتصبي الأطفال” في واشنطن وتل أبيب الضوء الأخضر لإعادة رسم خريطة المنطقة بما يخدم أطماعهم التوسعية. ويرسل أوغلو رسالة تحذيرية مفادها أن الدور سيأتي على الجميع يوماً ما إذا لم يتم إجهاض “فخاخ التصفية” في مهدها، وهو ما يعزز دور مصر (نواة الارتكاز) كحائط صد أخير ضد هذا الجنون. هذه الشهادة الدولية هي اعتراف بصحة رؤيتنا الاستراتيجية: المعركة ليست بين طهران وواشنطن، بل هي معركة وجودية ضد مشروع يهدف لابتلاع المنطقة برمتها.
أمريكا تخشى “الانتفاضة الداخلية” وترامب يبحث عن انتصار سريع
في تطور يكشف حجم الهشاشة التي تعاني منها الإدارة الأمريكية، كشفت مصادر لشبكة CNN أن المسؤولين الأمريكيين على أهبة الاستعداد لهجمات انتحارية محتملة، بالإضافة إلى المزيد من الضربات الصاروخية الانتقامية، التي تستهدف المنشآت والأفراد الأمريكيين في الخارج رداً على العملية العسكرية. المهاجمون قد يحاولون أيضاً استهداف المنشآت والأفراد الأمريكيين باستخدام سيارات مفخخة، ومعظم المخاوف تتركز حول تل أبيب والقدس في إسرائيل وكذلك قطر. وفي الداخل الأمريكي، طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) من عملائه مراقبة الأشخاص المشتبه بهم عن كثب، والذين قد يتأثرون بالضربات في إيران، مع تكثيف مراقبة أي تهديدات قد تُوجّه للرئيس ترامب نفسه.
هذه الإجراءات الأمنية غير المسبوقة تكشف أن الإدارة الأمريكية تدرك جيداً أن “المستنقع الإيراني” قد يكون أخطر مما تتصور. مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية تؤكد في تحليلها أن ترامب يخشى حرب استنزاف طويلة، ولهذا يبحث عن “انتصار سريع” بعد تحييد خامنئي. لكن الواقع يقول إن هذا الانتصار بعيد المنال، خاصة مع تصاعد المقاومة في العراق ولبنان واليمن، واستمرار القدرة الإيرانية على الرد. ترامب يراهن على انشقاقات داخل النظام الإيراني، ويحاول استنساخ نموذج فنزويلا، واعداً “بحصانة تامة” لقوات الأمن التي تُلقي أسلحها. لكنه ينسى أن إيران ليست فنزويلا، وأن الشعب الإيراني وإن كان غاضباً على نظامه، إلا أنه يرفض أن يُملى عليه مستقبله بقوة السلاح الأمريكي.
«المجزرة اللبنانية» وقلق واشنطن.. حين تدفع الشعوب ثمن مغامرة “إسرائيل أولاً”
في مشهد يدمي القلب ويكشف وجه الوحشية الصهيونية، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن سقوط 31 شهيداً و149 مصاباً جراء غارات الاحتلال على الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب، بينما دوت انفجارات جديدة في الدوحة والمنامة ودبي وأبوظبي، مؤكدة أن «محرقة القواعد» لم تعد حكراً على إيران بل امتد لهيبها ليشمل كل من آوى قوات التحالف الشيطاني. في هذه الأثناء، خرج علي لاريجاني ليعلنها صريحة: «إيران لن تتفاوض مع أمريكا مرة أخرى»، واصفاً ترامب بأنه «أغرق المنطقة بالفوضى بآماله الواهية، وبات يخشى المزيد من القتلى بين قواته». وأضاف لاريجاني قائلاً: «ترامب بأدائه الواهم حوّل شعاره “أميركا أولا” إلى “إسرائيل أولاً”، مضحياً بالجنود الأميركيين فداء لسياسات إسرائيل التوسعية». وكشفت واشنطن بوست عن قلق متزايد داخل البنتاغون من خروج الصراع عن السيطرة، معترفة بأن «إيران ترد بكل قوة، والعدد الهائل من الهجمات وتنوع المواقع المستهدفة يثير القلق». هذه التطورات تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المنطقة لم تعد تحتمل «الاغتراب الإدراكي»، وأن ما يحدث هو «محرقة مفتوحة» تستدعي وقفة سيادية عربية حقيقية، قبل أن يلتهم لهيبها الجميع.
«الخليج يصحو» وهاريس تفضح ترامب.. اعترافات تدين مغامرة “إسرائيل أولاً”
في تطور دراماتيكي يؤكد صحة ما حذرنا منه، أطلق محلل سعودي على قناة الجزيرة صرخة مدوية قال فيها: «أمريكا تخلت عنا، وركزت منظوماتها الدفاعية لحماية إسرائيل، تاركة دول الخليج التي تستضيف قواعدها العسكرية تحت رحمة الصواريخ والطائرات الإيرانية المسيرة». هذا الاعتراف الصريح هو إدانة قاطعة لسياسة «الحماية المستأجرة» التي طالما نددنا بها، ودليل ملموس على أن القواعد الأمريكية ليست سوى منصات استهداف تجلب الدمار ولا تمنعه. وفي الداخل الأمريكي، أطلقت كامالا هاريس صرخة سياسية كبرى، محذرة من مغامرة ترامب العسكرية، ومطالبة الكونغرس بالتحرك فوراً لوقف حرب «لا يريدها الشعب الأمريكي». هذا التصريح، الصادر عن نائبة رئيس سابقة، يكشف عمق الانقسام الداخلي في أمريكا، ويثبت أن ما نسميه «الاغتراب الإدراكي» قد فشل في خداع العقل الأمريكي، الذي بدأ يدرك أن حرب ترامب هي مجرد مغامرة شخصية لإرضاء نتنياهو وإخفاء فضائح ملف إبستين.
العقل الأمريكي يرفض الاغتراب.. ونهاية ترامب تبدأ
وأختم مقالي بهذه الحقيقة الصارخة: ترامب يعيش الوهم ويصدره للشعب الأمريكي، لكن هذا الشعب بدأ يستيقظ. الإعلام الأمريكي ينقلب على الرئيس، والكونغرس يبدي قلقه من مغامرة عسكرية تفتقر للشرعية، وأسر الجنود القتلى والجرحى تنتظر إجابات لا يملكها البيت الأبيض. نهاية ترامب بدأت منذ أن بدأ مغامرته العسكرية لإرضاء حليفه الشيطاني نتنياهو، متناسياً أن الشعب الأمريكي هو أيضاً ضحية مع شعوب المنطقة والشعب الإيراني. فهل يدرك الشعب الأمريكي أن الحرب ليست حربهم؟ هل يدركون أن النخبة التي تدير البلاد أياديهم ملطخة بدماء الأطفال في عقر دارهم، وأنهم فقدوا بوصلتهم الأخلاقية منذ فضيحة “إبستين”؟ إن صحوة الوعي الأمريكي هذه هي الأمل الوحيد لإيقاف هذه المهزلة، قبل أن يدفع العالم كله ثمن مغامرات نخبة فقدت كل شرعية.
إن ما نسميه «الاغتراب الإدراكي» هو محاولة يائسة لفرض رؤية مشوهة على العقل الجمعي، لكن الحقيقة أقوى من أي خداع. الحقيقة تقول: أمريكا وإسرائيل تشعلان المنطقة، والضحايا هم شعوبنا. الحقيقة تقول: القواعد الأمريكية تجلب الدمار ولا تجلب الأمان. الحقيقة تقول: من يدعون القيم والأخلاق هم نفسهم مغتصبو الأطفال في ملف إبستين. فهل يكفي هذا لصحوة ضمير عالمي يوقف هذه المهزلة قبل فوات الأوان؟.