حسين السمنودي
تتواصل ليالي البهجة والإبداع في قصر ثقافة الصالحية الجديدة بمحافظة الشرقية، حيث شهدت المدينة واحدة من أجمل الأمسيات الثقافية والفنية في الليلة الثانية من احتفالات الهيئة العامة لقصور الثقافة، والتي جاءت عامرة بروح الفن الأصيل والتراث الشعبي الذي يعكس عمق الهوية المصرية وروعة الموروث الثقافي الذي توارثته الأجيال عبر عقود طويلة.
وجاءت هذه الفعاليات تحت رعاية الدكتورة نيفين الكيلاني وزيرة الثقافة، والمهندس حازم الأشموني محافظ الشرقية، وفي إطار اهتمام الدولة المصرية بنشر الثقافة والفنون في مختلف المحافظات، ودعم الأنشطة الثقافية التي تسهم في تنمية الوعي المجتمعي وإحياء التراث الشعبي الذي يمثل أحد أهم مكونات الشخصية المصرية. كما تقام الفعاليات بإشراف السيد اللواء خالد اللبان مساعد وزير الثقافة لشئون الهيئة العامة لقصور الثقافة، الذي يولي اهتمامًا كبيرًا بتفعيل الدور الثقافي والفني لقصور الثقافة في ربوع مصر.
وكانت الليلة الثانية من الاحتفالات موعدًا مع الإبداع الشعبي الأصيل، حيث قدمت فرقة قصر ثقافة الزقازيق للآلات الشعبية بالشرقية عرضًا فنيًا مميزًا جذب الحضور وأشعل أجواء المسرح بالحماس والتفاعل، إذ قدمت الفرقة باقة متنوعة من الفقرات التراثية والاستعراضية التي تعكس جمال الفلكلور المصري وروح الريف الشرقي الأصيل.
وقدمت الفرقة عددًا من المقطوعات الموسيقية الشعبية التي امتزج فيها صوت المزمار البلدي وإيقاعات الطبول والآلات التراثية التي تحمل عبق التاريخ وروح البساطة المصرية، فكانت الألحان كأنها تحكي قصص القرى والنجوع والمناسبات الشعبية التي كانت وما زالت جزءًا من ذاكرة المصريين. ولم يكن العرض مجرد موسيقى أو استعراضات فنية فحسب، بل كان رحلة في وجدان التراث المصري الذي يحافظ على جذوره رغم تعاقب الأزمنة.
وقد شهدت الفعالية حضورًا جماهيريًا لافتًا من أبناء مدينة الصالحية الجديدة والقرى المجاورة، الذين توافدوا للاستمتاع بليالي رمضان الثقافية والفنية التي ينظمها قصر الثقافة، في مشهد يعكس تعطش المجتمع للفن الراقي والفعاليات الثقافية التي تجمع بين الترفيه والمعرفة وتعزز روح الانتماء للهوية الوطنية.
وفي قلب هذا النجاح يبرز الدور الكبير الذي تقوم به الأستاذة سعاد سمير، مدير قصر ثقافة الصالحية الجديدة، التي تعمل بروح مخلصة وإدارة واعية من أجل أن يظل القصر منارة ثقافية مضيئة في مدينة الصالحية الجديدة. فقد بذلت جهودًا واضحة ومستمرة في تنظيم هذه الفعاليات والإشراف على أدق تفاصيلها، بداية من التنسيق مع الفرق الفنية وحتى استقبال الجمهور وتوفير الأجواء المناسبة لإقامة أمسيات ثقافية وفنية تليق باسم الثقافة المصرية.
وتحرص الأستاذة سعاد سمير على أن يكون قصر الثقافة بيتًا مفتوحًا لكل محبي الفن والإبداع، حيث تسعى باستمرار إلى تنظيم الندوات الثقافية والأمسيات الشعرية والعروض الفنية التي تسهم في تنمية الوعي الثقافي لدى الشباب والأطفال، وتعمل على اكتشاف المواهب الجديدة وتشجيعها على الظهور والمشاركة في الأنشطة الثقافية المختلفة.
ولم يكن نجاح هذه الليالي الرمضانية وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عمل متواصل وجهود مخلصة من فريق العمل بقصر الثقافة، الذين يعملون بروح الفريق الواحد من أجل تقديم صورة مشرفة للحركة الثقافية في مدينة الصالحية الجديدة، لتصبح هذه الليالي نافذة يطل منها الجمهور على جمال الفن الشعبي وروعة التراث المصري.
وتأتي هذه الاحتفالات ضمن برنامج ليالي رمضان الثقافية والفنية التي تنظمها وزارة الثقافة في مختلف المحافظات، بهدف نشر الفنون وإحياء التراث الشعبي وإتاحة الفرصة للمواهب والفرق الفنية لتقديم إبداعاتها أمام الجمهور، بما يسهم في خلق حالة من الحراك الثقافي والفني داخل المجتمع المصري.
إن ما شهدته الليلة الثانية من احتفالات قصر ثقافة الصالحية الجديدة يؤكد أن الثقافة ليست ترفًا، بل هي روح المجتمع ونبضه الحقيقي، وأن الفن الشعبي تحديدًا هو الذاكرة الحية للأمة، يحمل في طياته حكايات الناس وأفراحهم وأحزانهم وأحلامهم البسيطة التي صنعت ملامح الشخصية المصرية عبر الزمن.
وفي ختام الليلة الرمضانية الثانية المضيئة التي يحتضنها قصر ثقافة الصالحية الجديدة، يتأكد للجميع أن الثقافة ليست مجرد حفلات أو عروض فنية عابرة، بل هي رسالة عميقة لبناء الإنسان وصناعة الوعي وترسيخ الهوية الوطنية في نفوس الأجيال الجديدة. فحين يجتمع الفن الأصيل مع التراث الشعبي وتلتقي أنغام المزمار بإيقاع الطبول وسط حضور جماهيري متعطش للجمال، ندرك أن مصر ما زالت قادرة على أن تحافظ على روحها الثقافية التي صنعت حضارتها عبر آلاف السنين.
إن ما يحدث في قصر ثقافة الصالحية الجديدة ليس مجرد احتفال عابر، بل هو صورة حقيقية لنبض الثقافة المصرية في شوارع المدن والقرى، حيث يتحول المسرح إلى مساحة للحياة والفرح، وتصبح الموسيقى لغة تجمع الناس حول قيم الجمال والانتماء. ومن هنا تأتي أهمية هذه الفعاليات التي تعيد للفن الشعبي مكانته الطبيعية في وجدان المصريين، وتذكرنا بأن التراث ليس ماضياً ساكنًا، بل روح حية تتجدد في كل جيل.
وإذا كانت هذه الليالي قد نجحت في أن ترسم البسمة على وجوه الحاضرين وتعيد الدفء إلى المشهد الثقافي في المدينة، فإن الفضل بعد الله يعود إلى الجهود الصادقة التي يبذلها القائمون على العمل الثقافي، وفي مقدمتهم الأستاذة سعاد سمير مدير قصر ثقافة الصالحية الجديدة، التي تعمل بإخلاص واضح من أجل أن يظل هذا الصرح الثقافي منارة مضيئة للفن والإبداع، ونافذة يطل منها أبناء المدينة على عالم الثقافة والمعرفة.
وهكذا تبقى ليالي الثقافة والفن رسالة أمل تؤكد أن مصر ستظل دائمًا أرض الحضارة والفنون، وأن شعبها الذي أنجب أعظم المبدعين قادر على أن يحافظ على تراثه ويصونه، ليظل الفن المصري شاهدًا على حضارة لا تنطفئ، وثقافة لا تغيب شمسها مهما تعاقبت الأزمنة.