أحرص دائما على متابعة الكلمات التي يوجهها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الشعب في المناسبات الوطنية، ليس فقط من زاوية الحدث ذاته، بل من زاوية ما تعكسه تلك الكلمات من دلالات على طبيعة اللحظة التي يعيشها الوطن، وفي حفل إفطار الأسرة المصرية اليوم، بدا واضحا أن الحديث لم يكن مجرد كلمة بروتوكولية في مناسبة اجتماعية، بل مصارحة مباشرة مع الرأي العام، وقراءة هادئة لما يجري حولنا في الإقليم والعالم، وما يفرضه ذلك من تحديات وقرارات صعبة على الدولة والمجتمع معا.
جاء حديث الرئيس ليضع أمام المواطنين صورة أكثر وضوحا لحجم التحديات التي تواجه الدولة المصرية في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، فالعالم اليوم، والمنطقة العربية على وجه الخصوص، يمران بمرحلة اضطراب غير مسبوقة، صراعات ممتدة، وتوترات إقليمية، وحروب تلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والغذاء، وفي مثل هذه الظروف لا يمكن لأي دولة، مهما بلغت قدراتها، أن تبقى بمنأى عن التأثيرات، ومن هنا جاء تأكيد الرئيس أن مصر تتعامل مع واقع اقتصادي صعب فرضته إلى حد كبير متغيرات دولية وإقليمية متلاحقة.
اللافت في حديث الرئيس كان التركيز الواضح على مبدأ المصارحة والشفافية، فقد تناول القضايا التي تشغل الرأي العام مباشرة، وفي مقدمتها قرار رفع أسعار بعض المنتجات البترولية، موضحا أن مثل هذه القرارات لا تتخذ إلا بعد دراسة دقيقة ومتأنية، وأن الدولة تحرص دائما على اختيار أقل البدائل تكلفة على المواطن، حتى وإن بقي القرار في ذاته صعبا.
هذه المصارحة تعكس إدراكا عميقا لأهمية الوعي العام في مواجهة التحديات الاقتصادية، فإدارة الأزمات لا تقوم على القرارات الاقتصادية وحدها، بل على بناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع، وإشراك المواطنين في فهم الظروف والقيود التي تحكم عملية صنع القرار.
وفي هذا السياق كان من المهم التذكير بأن مصر دخلت منذ عام 2016 في برنامج إصلاح اقتصادي استهدف تعزيز قدرة الدولة على الصمود في مواجهة الأزمات، وقد أثبتت السنوات الماضية أهمية هذا المسار، خاصة مع توالي الأزمات العالمية، من جائحة كورونا إلى الحرب في أوروبا، وصولا إلى التوترات الإقليمية الراهنة، ومع ذلك فإن اقتصاد دولة يتجاوز عدد سكانها 120 مليون نسمة يظل يواجه تحديات كبيرة في إدارة الموارد وتلبية الاحتياجات المتزايدة.
وفي ضوء ما حمله حديث الرئيس من رسائل مصارحة ومسؤولية مشتركة، فإن المرحلة المقبلة تضع على عاتق الحكومة واجبات واضحة لا تقل أهمية عن صعوبة القرارات الاقتصادية ذاتها، فالمطلوب أولا هو ترسيخ مبدأ الشفافية الكاملة في شرح السياسات الاقتصادية للرأي العام، بلغة واضحة ومباشرة تساعد المواطنين على فهم خلفيات القرارات وتداعياتها، كما يصبح من الضروري تشديد الرقابة على الأسواق لمنع أي ممارسات احتكارية أو استغلال للأوضاع الاقتصادية، بما يضمن ألا يتحمل المواطن أعباء إضافية تفوق ما تفرضه الظروف، وفي الوقت نفسه، ينبغي الإسراع بتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتوجيه الدعم بدقة إلى الفئات الأكثر احتياجا، مع العمل على تحسين كفاءة الخدمات الأساسية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، فنجاح أي برنامج إصلاح اقتصادي لا يقاس فقط بقدرة الدولة على تجاوز الأزمات، بل بقدرتها أيضا على حماية التماسك الاجتماعي وصون كرامة المواطن، وهو ما يشكل في النهاية جوهر الرسالة التي حرص الرئيس على التأكيد عليها.