ها هو الشهر الحبيب يطوي صفحاته الاخيرة، لا يودعنا فقط، بل يتركنا في مواجهة مباشرة مع انفسنا، جاء خفيفا جميلا، لكنه يرحل مثقلا بحكايات لم تنته، ودموع لم تجف، وقلوب ما زالت تبحث عن طمأنينة غابت عنها طويلا.
هذا العام لم يكن رمضان كما نحب ان نرويه في الحكايات، نعم، امتلأت المساجد، وارتفعت الدعوات، واجتمع الناس حول موائد بسيطة يزينها الرضا، لكن في مكان قريب منا او بعيد عنا، كانت هناك موائد بلا خبز، واسر تفطر على الخوف، وامهات ينتظرن عودة من لن يعود.
في هذا الشهر، اقتربنا من الله، لكننا اقتربنا ايضا من حقيقة اكثر عمقا ووضوحا وهى ان الانسان لا يعيش وحده، وان ما نظنه بعيدا عنا قد يكون اقرب مما نتصور، رأينا كيف يتشابه الوجع في كل مكان، كيف تبكي الام بنفس الطريقة مهما اختلفت اللغة، وكيف يشعر الطفل بالخوف ذاته مهما تغيرت الجغرافيا، ادركنا ان المعاناة لا تحمل جواز سفر، وان الحزن لا يعترف بالحدود.
اقتربنا من هذا العالم اكثر، لا عبر الاخبار فقط، بل عبر احساس صادق تسلل الى القلوب في لحظات الصمت والدعاء، حين كنا نجلس الى موائدنا، لم يعد الطعام مجرد نعمة نشكر عليها، بل سؤال يطرق الضمير، فهناك من لا يجد ما يفطر عليه الآن؟ وحين كنا نرفع ايدينا بالدعاء، لم نعد ندعو لانفسنا فقط، بل لمن لا صوت لهم، لمن ضاقت بهم الارض، لمن ينتظرون فرجا قد يتأخر.
ادركنا ايضا ان الصيام لم يكن يوما مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبا يوميا على ان نكون اكثر انسانية، ان نصوم عن القسوة حين يسهل ان نقسو، وعن اللامبالاة حين يغري العالم بالتجاهل، وعن الصمت حين يكون الكلام واجبا.
الدرس الاكبر الذى ينبغى ان نتعلمه، ان العبادة التي لا تغير نظرتك للناس، ولا توسع قلبك للعالم، تظل ناقصة، وان اقرب الطرق الى الله، تمر دائما عبر انسان اخر يحتاجك، ولو بكلمة، او بدعاء، او حتى بشعور صادق لا يخذلك ولا يخونه النسيان.
يمضي رمضان، لكن السؤال يبقى معلقا في صدورنا، هل سنظل نذكر وجوه المحتاجين، واصوات المستغيثين، ام سنعود سريعا الى دوائرنا الضيقة كأن شيئا لم يكن؟
وداعا ايها الشهر الكريم… كنت اختبارا لما تبقى فينا من انسان، نودعك وقلوبنا مثقلة بكل من لم يجدوا في ايامك دفئا، وبكل من رحلوا دون وداع، ونرفع دعاء صادقا.. اللهم تقبل منا، وارحم من تألموا، وكن عونا لمن ضاقت بهم الحياة، ولا تجعل ما شعرنا به فيك يضيع.. وان عشنا فموعدنا قريب.