انا لست من عادتي ان اتحدث عن اي محتوى سلبي حتى لا اكون سببا في منحه دعاية مجانية، لكن ما يتم تداوله مؤخرا عبر بعض المنصات لم يعد مجرد محتوى عابر يمكن تجاهله، بل تحول الى ظاهرة تستحق التوقف امامها بجدية، لانها تمس واحدة من اخطر القضايا وهي تشكيل الوعي، وبشكل خاص وعي المرأة.
ما يقدم اليوم تحت مسميات مثل فن الحوار او التقارب العاطفي او فهم الطرف الاخر، يخفي وراءه اساليب غير بريئة، تعتمد على التسلل الهادئ الى العقل، وزرع افكار ومشاعر بطريقة غير مباشرة، تجعل المتلقي يظن انه امام اهتمام او احتواء، بينما هو في الحقيقة امام محاولات مدروسة للتأثير عليه نفسيا وعاطفيا… هذه الاساليب لا تعتمد على الوضوح، بل على الايحاء، ولا تقوم على الصراحة، بل على الالتفاف، وهو ما يجعلها اكثر خطورة وانتشارا.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في سؤال عابر او جملة تحمل اكثر من معنى، بل في المنهج الكامل الذي يتم الترويج له، والذي يقوم على كسر الحواجز تدريجيا، وفتح مساحات من الخيال والتعلق دون اسس حقيقية، وتحويل العلاقة الانسانية من قيمة قائمة على الاحترام والصدق الى ساحة تجارب لادوات التأثير النفسي… هنا لم يعد الامر مجرد محتوى، بل اصبح سلوكا يتم تعليمه وتداوله، وكأنه مهارة يجب اكتسابها.
والاخطر ان هذا النوع من الخطاب يستهدف المرأة بشكل مباشر، باعتبارها الطرف الاكثر تأثرا بالعاطفة، فيتم اللعب على هذه المنطقة تحديدا، واستغلالها لخلق حالة من التعلق غير الواعي، وهو ما يفتح الباب امام علاقات غير متوازنة تقوم على التأثير من طرف واحد… ومع الوقت يتحول هذا التأثير الى نمط تفكير، فتتغير معايير الاختيار ويختلط الصادق بالمصطنع، وتصبح القدرة على التمييز اكثر صعوبة.
السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو من يقف وراء هذا النمط من المحتوى، وهل هو مجرد اجتهادات فردية ام ان هناك من يصنعه ويعيد نشره بشكل ممنهج، ومن المستفيد الحقيقي من نشر ثقافة ليست حقيقة تقوم على سرد قصصي وهمي واستثارة عاطفية هدفها التلاعب بالمشاعر لتوجيه سلوك معين يدمر المجتمع… هذه الاسئلة لا يملك اجابتها افراد، بل تحتاج الى جهات قادرة على التحليل والتتبع، لان ما يحدث يتجاوز حدود الصدفة.
ما نشهده اليوم يشير الى ان هناك محاولات لاعادة تشكيل الوعي الاجتماعي، ليس فقط لدى المرأة، بل داخل المجتمع ككل من خلال تحويل العلاقات الى لعبة تأثير وتقديم الحيل النفسية على انها ذكاء وتزييف مفاهيم القرب والاهتمام… هذا التحول اذا استمر دون مواجهة سيؤدي الى اضعاف القيم الاساسية التي تقوم عليها العلاقات الانسانية وعلى رأسها الاحترام والوضوح والصدق.
من هنا يصبح دور الدولة والجهات الرقابية ضرورة لا يمكن تأجيلها، فالحفاظ على الامن لم يعد مقتصرا على الجانب المادي فقط، بل اصبح يشمل الامن الفكري والنفسي ايضا. المطلوب اليوم هو اختراق هذه المساحات الرقمية وفهم طبيعة هذا المحتوى وتحديد مصادره، والتعامل معه بحزم، ليس بهدف المنع فقط، بل بهدف حماية وعي مجتمع كامل من التشويه البطيء.
وفي هذا السياق لا يمكن اغفال دور التوعية، فالمواجهة لا تكون فقط بالرقابة، بل ايضا برفع مستوى الادراك لدى الافراد، حتى يصبحوا قادرين على التمييز بين الحقيقي والمصطنع، وبين الاهتمام الصادق ومحاولات التأثير الخفي.
رسالتنا الى المرأة واضحة ومباشرة، وعيك هو قوتك الحقيقية، فلا تنخدعي بكل ما يقال بلطف، ولا تفسري كل اهتمام على انه صدق، فهناك من يتقن استخدام الكلمات ليصنع تأثيرا لا علاقة له بالمشاعر الحقيقية… كوني دائما قادرة على وضع حدود واضحة، ولا تسمحي لاحد ان يدخل الى عالمك الداخلي الا من يستحق ذلك بوضوح واحترام.
في النهاية تبقى الحقيقة الاهم ان المجتمعات لا تفقد توازنها فجأة، بل يحدث ذلك تدريجيا حين يتم العبث بوعي افرادها، وحين يختلط الصحيح بالمغلوط دون وجود من يضع حدودا واضحة، وهنا فقط ندرك ان المواجهة لم تعد خيارا، بل ضرورة لحماية ما تبقى من وضوح داخل الانسان.
وبلاغي للجهات الرقابية هذا الملف أصبح كامل أمامكم يشمل كل ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي من منشورات أو بوستات معدة مسبقا لتضليل عقل المرأة، صادرة عن بعض الأفراد الذين يظهرون كخبراء أو دكاترة تحت مسميات مختلفة في العلاقات الأسرية والإرشاد النفسي. كما تم توثيق محتوى بعض الأخصائيين في التواصل الإنساني والعاطفي، إلى جانب صفحات ومجموعات تنشر هذه الرسائل بشكل متكرر… كل هذه الأدلة نطالب الآن بوضعها أمام الجهات الرقابية لمراجعتها واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع الجرائم التي تحدث بسببها ووقف العبث بالعقول الذي ما زال يجري كالطاعون.