عبدالرحيم عبدالباري
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع الصحي في مصر، لم يعد تطوير الخدمات يعتمد فقط على زيادة الموارد أو التوسع في البنية التحتية، بل أصبح قائماً بشكل أساسي على كفاءة الإدارة ودقة التقييم. ومن هنا، تبرز منظومة تقييم الأداء كأحد أهم أدوات الإصلاح، التي تسعى من خلالها وزارة الصحة والسكان إلى بناء نموذج حديث للإدارة الصحية، يعتمد على الشفافية والمساءلة، ويضع مصلحة المواطن في صدارة الأولويات.
في هذا الإطار، ترأس الدكتور محمد الطيب اجتماعاً مهماً لمناقشة مؤشرات أداء مديري ووكلاء مديريات الشؤون الصحية، بحضور الدكتور عمرو قنديل والدكتورة عبلة الألفي، في خطوة تؤكد أن ملف التقييم لم يعد إجراءً تقليدياً، بل تحول إلى محور رئيسي في رسم سياسات العمل الصحي. هذا الاجتماع لم يكن مجرد استعراض للأرقام، بل منصة لصياغة رؤية جديدة تعتمد على التحليل الدقيق والقرارات المبنية على الأدلة.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار أن المنظومة الإلكترونية لتقييم الأداء تمثل نقلة نوعية في آليات المتابعة، حيث تم استعراض مؤشرات الأداء خلال الفترة من أغسطس 2025 وحتى فبراير 2026، مقارنة بخط الأساس في يوليو 2025. هذه المقارنة الزمنية لا توفر فقط قراءة رقمية للوضع الحالي، بل تكشف بوضوح عن مسارات التحسن ومواطن التحدي، ما يسمح بوضع خطط تطوير أكثر دقة وفعالية.
ولأن تطوير الأداء لا يتحقق دون تحديث مستمر لآليات العمل، فقد أوصى الدكتور محمد الطيب بإعادة تشكيل اللجنة الفرعية المختصة برئاسة الدكتور عمرو قنديل، بما يضمن انتظام انعقادها وتعزيز دورها في التقييم الدوري. كما تم فتح باب الترشح أمام الكفاءات الجديدة، في إشارة واضحة إلى أن المنظومة الصحية تسعى لضخ دماء جديدة قادرة على مواكبة التحديات، وتحقيق نقلة حقيقية في جودة الإدارة والخدمات.
وكشفت نتائج التحليل عن وصول متوسط التقييم العام إلى 71.3%، وهو رقم يحمل دلالات مهمة؛ إذ يعكس تحسناً ملحوظاً في بعض المديريات، مقابل استقرار الأداء في أخرى. هذا التباين لا يُعد مؤشراً سلبياً بقدر ما يمثل فرصة حقيقية لتحديد الفجوات والعمل على سدها، من خلال تعميم التجارب الناجحة، وتقديم الدعم الفني والإداري للمديريات التي تحتاج إلى تطوير إضافي.
وشهد الاجتماع حضور قيادات بارزة، من بينهم الدكتور محمد عبدالوهاب والدكتور بيتر وجيه والدكتورة رشا الشرقاوي والدكتورة نهلة تعيلب، إلى جانب المستشار القانوني نور مبارك، وهو ما يعكس تكامل الجهود بين مختلف قطاعات الوزارة، ويؤكد أن تحسين الأداء مسؤولية جماعية تتطلب تنسيقاً فعالاً بين جميع الجهات.
وفي خضم هذه الجهود، تتأكد حقيقة أن مؤشرات الأداء لم تعد مجرد أرقام تُعرض في التقارير، بل أصبحت أداة فاعلة لصناعة القرار، ومنهجاً لإعادة بناء منظومة صحية أكثر كفاءة وعدالة. إنها ثورة صامتة، تتحرك بخطوات مدروسة، لكنها تحمل في طياتها تأثيراً عميقاً على مستقبل الرعاية الصحية في مصر، حيث يصبح المواطن هو المستفيد الأول من كل قرار، وكل تطوير، وكل رؤية تسعى نحو غد صحي أفضل.