حوار / ادم خضر
في وقت تتزايد فيه التحديات الفكرية التي تواجه الشباب، وتتصاعد محاولات استقطابهم نحو أفكار متشددة، يظل السؤال حاضرًا: لماذا ينجرف بعض الشباب إلى هذا الطريق؟ وكيف يمكن إنقاذهم؟
في هذا الحوار، يتحدث الشيخ أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، بصراحة ووضوح، كاشفًا عن الأسباب الحقيقية وراء انتشار التشدد، ومحذرًا من خطورة الشعارات المضللة، ومؤكدًا أن المواجهة الحقيقية تبدأ من الوعي، وأن الأزهر الشريف يظل الحصن الأهم في هذه المعركة.
• ما هي الأسباب الحقيقية وراء اتجاه بعض الشبابإلى التشدد الديني؟
الأسباب الرئيسة المعتمدة والمعتبرة لجنوح كثير من الناس، خاصة الشباب، إلى الغلو والعنف الفكري والعنف المسلح، تعود إلى عدة عوامل، أهمها وأخطرها الأموال؛ لأن الأموال هي العامل الرئيسي في ذلك، فهذه التنظيمات أو الجماعات أو الفِرق يتم الإنفاق عليها من قِبل قوى لا تريد الاستقرار المجتمعي للمسلمين، فلولا الأموال ما انتشرت هذه الانحرافات الفكرية، سواء كان مصدر الأموال من الداخل أم من الخارج.
أما العامل الثاني فهو ضآلة الوعي الديني، لأننا في مناطق شبه أمية في فهم الدين الصحيح.
أما العامل الثالث فهو الخداع بالشعارات المرفوعة، فمثلًا المتسلفون “الجماعات السلفية” يروجون أنهم “الفرقة الناجية”، وجماعة الإخوان الإرهابية تروج أن “الإسلام هو الحل”، والشيعة يروجون أنهم من محبي ومناصري آل البيت رضي الله عنهم، وحتى الجماعات أصحاب العنف المسلح يستخدمون بعض الآيات استخدامًا خاطئًا، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال]، وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة].
• هل التشدد ناتج عن فراغ فكري أم عن فهم خاطئ للدين؟
الغلو والتشدد ناتج عن الجهل بالدين وعن سوء استخدام النصوص، والدليل على ذلك أن الخوارج في عهد الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه استخدموا ما استُخدم فيما بعد لدى سيد قطب في جماعة الإخوان، وهو الجهل بالدين.
ومثال على ذلك أن الخوارج في أيام الإمام علي نادوا بأن الحاكمية لله، فقالوا للإمام علي رضي الله عنه: “إن الحكم إلا لله”، وليس لك يا علي ولا لأصحابك، فبكل أسف هي شعارات تغري الجهلاء وأنصاف المتعلمين.
• كيف يفرق الشباب بين التدين الحقيقي والتشدد؟
على الشباب أن يتجهوا إلى الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، ومن خلالها سيفرقون بين الحق والباطل وبين الخطأ والصواب، كما يجب على المجتمع تكثيف التوعية الدينية.
لكن بعض الشباب وقعوا فريسة لمشايخ السلفية، وفريسة لمتبعي جماعة الإخوان، والمخدوعين بالدواعش، وهنا أقول إنه لا ينبغي أن يكون هناك أي تواجد ديني لأي جماعة، وأن يُترك الأمر للأزهر الشريف، فالأزهر خبرة تمتد لألف وثلاثة وثمانين عامًا، فكيف يكون عندنا الأزهر الشريف ونجد هذه التيارات المتشددة في مصر؟
• هل هناك تأثير لوسائل التواصل الاجتماعي في نشر الأفكار المتطرفة بين الشباب؟
عند نشأتي لم يكن هناك وجود لمواقع التواصل الاجتماعي، وحينها استهدفوا الشباب بواسطة أشرطة الكاسيت على أبواب المساجد، وأنا رأيت ذلك بنفسي، كما استولت الجماعات المتشددة على المساجد، مع فساد بعض من تستروا عليهم، وتفعيل ريادة موهومة لبعض مشايخ السلفية.
وهناك أيضًا وسائل أخرى لنشر الأفكار المتطرفة، وهي “الشؤون الاجتماعية”، حيث قاموا بإنشاء جمعيات ومؤسسات خيرية ظاهرها خدمات اجتماعية وتحفيظ القرآن الكريم، وباطنها نشر الأفكار المتطرفة، ويقومون بطباعة كتب بعيدة تمامًا عن الأزهر ومنهجه، بل ويُربّون النشء على كره الأزهر وعلمائه.
وهذا يذكرنا بما فعلته جماعة الإخوان مع نهاية عصر الرئيس السادات وبداية عصر الرئيس مبارك، فقد أنشؤوا مدارس خاصة جنوا منها أرباحًا طائلة.
وهنا أطلب من وزارة التضامن الاجتماعي، بالتعاون مع مؤسسات الدولة المعنية، عمل مراجعات لهذه الجمعيات والمؤسسات المشهرة رسميًا، وفحص انتماءات من يديرونها، مع الإلزام بأن تكون ثقافة الأزهر الشريف وحدها هي السائدة.
• كيف يمكن للأسرة أن تكتشف مبكرًا أن ابنها يتجه نحو التشدد؟
هناك تغيرات سلوكية تظهر على الناشئة، سواء ذكورًا أو إناثًا، مثل القول بالتحريم المطلق للفن، وتحريم مشاهدة كرة القدم، وتحريم الترويح عن النفس، وتحريم التلفزيون، والانطواء، والعزوف عن التفاعل الاجتماعي، وترديد شعارات التكفير والتفسيق والتجهيل.
وتبدأ علامات التشدد في الظهور، ففي التسلف سنجد الجلباب القصير، والعمامة ذات الذؤابة، والزي البدوي أو الباكستاني، مع وجود كتب قادمة من المملكة العربية السعودية، وهي موجودة في مصر بكثافة.
• هل الخطاب الديني الحالي قادر على مواجهة التحديات؟
الخطاب الذي يقوده الإمام الطيب شيخ الأزهر، والخطاب الذي يقوده الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، هو خطاب رسمي ممتاز جدًا، لكنه غير قادر على مواجهة كل التحديات.
والقاعدة تقول: “إذا أردت أن تُطاع، فأمر بما يُستطاع”، لكن على وزارة الأوقاف أن تقوم بطباعة وتوزيع كتب مجانية على الشباب من شأنها تصحيح الأفكار المتطرفة، وهي بذلك تقوم بمقاومة أفكار الجماعات السلفية التي تضخ أموالًا كثيرة لاستقطاب الشباب وتعليمهم حتى ينخرطوا في التشدد والتطرف.
• كيف يمكن إعادة دمج الشباب الذين تأثروا بأفكار متشددة في المجتمع؟
يجب في البداية وضع خطة دقيقة جدًا، وتشترك فيها جهات عديدة، وليست جهة واحدة، على أن تكون جميعها تحت مظلة واحدة.
ويجب أن نسأل أنفسنا: متى تُستخدم قصور الثقافة وأندية الشباب والرياضة؟ لما لها من دور عظيم في القضاء على التشدد والتطرف.
نحتاج إلى مواجهة جادة، لا مواجهة مفتعلة، ونحتاج إلى دعاة: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، وهؤلاء الدعاة موجودون ولكنهم مهمشون.
وأنا لي ستة كتب في نقد شبهات السلفية، وعندي كتاب لنقد جماعة الإخوان الإرهابية، وكتاب لنقد الدواعش، ولدي مؤسسة خيرية لتصحيح المفاهيم المغلوطة ومواجهة الإلحاد، وهي مؤسسة “التآلف بين الناس الخيرية”.
وعندما رأيت عزوف الشباب عن القراءة، اتجهت إلى الفن، فألفت قصة بعنوان “الغربة”، وفيها أسأل: كيف يتم تجنيد شباب صغار في السلفية والإخوان والدواعش والشيعة؟ ومن الممكن أن تتحول هذه القصة إلى فيلم.
• ما هي الرسالة التي تريد أن توجهها لكل شاب يعتقد أن التشدد هو الطريق الصحيح لنصرة الدين؟
إذا كان يشعر ببعض الهواجس، فالأولى أن يعرض نفسه على طبيب نفسي أولًا، لأن من يلجأ إلى العنف والتشدد قد يكون لديه اضطراب أو عقدة نفسية، وأقول له: لا تنخدع بالمظاهر.
• ما هو العالم الذي تحتاجه الأمة حاليًا؟
نحتاج إلى عزيمة الإمام محمد عبده في التقريب المذهبي الإسلامي، لنقضي على الفتن بين السنة والشيعة، ونحتاج أيضًا إلى همة الشيخ محمود شلتوت لنفس الغرض، ونحتاج إلى من لا يخشون في الله لومة لائم، أمثال الشيخ العز بن عبد السلام، الذي يُعد من أولياء الله، وله كتاب عظيم يعالج كثيرًا من المشكلات، وهو كتاب “قواعد الأحكام في إصلاح الأنام”