محمد سعيد يوسف الواعظ بالأزهر الشريف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد : إن المؤمن دائما وأبدا يعلم أن الدنيا دار امتحان واختبار وابتلاء، وأن الشدائد مهما اشتدت فإن بعدها فرجًا، وأن الهم مهما اشتد فمصيره إلى الزوال والانتهاء، وأن العسر مهما طال فدوامه محال يقول الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فلا فرح يدوم ولا حزن يدوم، ولا صحة تدوم ولا مرض يدوم، ولا غنى يدوم، ولا فقر يدوم، ولا ألم يبقى، ولا ضيق يستمر، “وهي الدنيا” يقول إلله تعالى {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} ولذلك دعانا ديننا الإسلامي الحنيف إلى الشكر عند النعماء والصبر عند الضراء وكله خير مصداقا لحديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، «إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له”» ونهانا ربنا سبحانه وتعالى عن اليأس والقنوط قال تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ وقال تعالى: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} فنهى الإسلام نهيا شديدا أكيدا عن اليأس والقنوط لأنهما أحد أهم أسباب ظاهرة الانتحار التي ظهرت في المجتمع بصورة مخيفة أقلقت الجميع، وللأسف الشديد قد يفهم أو يتصور هذا المنتحر الذي ألقى بنفسه إلى التهلكة أن الانتحار حل لمشاكله وهذا فهم خاطىء فالانتحار ليس حلا للمشاكل بل على العكس فربما يكون سبباً في تزويدها وتعقيدها خاصة عندما يكون المنتحر أب أو أم لأولاد صغار، ما ذنب هؤلاء الصغار؟ كما أن الانتحار يعد لون من ألوان الاعتراض على قضاء الله وقدره ونحن مأمورون بالإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، والصبر على حلو الدنيا ومرها ولكل جزاء وثواب عند الله، كذلك الانتحار هو تعدي على أمانة الله وهي روح الإنسان فروح الإنسان ليست ملكه وإنما هي ملك لخالقها سبحانه وتعالى لا يحق ولا يجوز له بأي حال من الأحوال أو شكل من الأشكال مهما كانت الظروف والدواعي أن يتعدى الإنسان على نفسه بالقتل أو حتى مجرد الإيذاء لذلك جعل الإسلام قتل النفس من الكبائر والسبع الموبقات أي المهلكات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ اجتنِبوا السَّبعَ الموبقاتِ قيلَ : يا رسولَ اللهِ ! وما هنَّ ؟ قال : الشِّركُ باللهِ ، والسِّحرُ ، وقتلُ النَّفسِ الَّتي حرَّمَ اللهُ إلَّا بالحقِّ ، وأكلُ مالِ اليَتيمِ ، وأكلُ الرِّبا ، والتَّوَلِّي يومَ الزَّحفِ ، وقَذفُ المُحصَناتِ الغافِلاتِ المؤمِناتِ} والناظر في القرءان الكريم يجد أن الله تعالى نهى عن قتل النفس في أكثر من ءاية ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ بل من الأولى والأجمل أن يعلم الإنسان أن الله أرحم به من نفسه، وأرحم به من أمه التي ولدته، وأن الفرج قد يكون قريبا جدا، وأن بعد كل دمعة ابتسامة، وأن بعد كل وجع وألم راحة وطمأنينة وبعد كل حزن فرح ، وأنه مهما طال الليل لا بد من طلوع الفجر، وبعد كل محنة منحة وبعد العسر يسرا وبعد الضيق فرجا و مخرجا وبعد العسر يسرا،
كما أننا نؤكد على أنه لا ينبغي لنا بأي حال من الأحوال أن نشهر أو نخوض في أمر هذا المنتحر، نعم هو عصى الله في نفسه فأطيعوا أنتم الله فيه بأن تكتموا أمره وتسترو سره وتدعو له بالرحمة والمغفرة والعفو والغفران وأن يكون من أهل الجنة فهو مسلم عاص أمره مفوض إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه وكلنا رجاء وحسن ظن في الله أن يعفو الله عنه وأن يجعله من أهل الجنة، كما أننا نؤكد على أنه ليس لنا ولا من حقنا أن نحكم على أحد أنه من أهل الجنة أو من أهل النار فليس لنا في الأمر شيء مصداقا لقول الله لحبيبه صلى الله عليه وسلم [ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ] صدق الله العظيم
نسأل الله أن يشرح الصدور، ويفرج الكروب، وييسر الأمور ويزيل الهموم ويشفي الأمراض ويوسع الأرزاق ويعطي المحروم ويجبر المكسور ويحفظنا جميعا من كل سوء وشر ومكروه واحفظ مصر من كل سوء وشر ومكروه واجعلها آمنة مطمئنة آمين يارب.