لم يكن مصطلح “الضربات الدفاعية” يوما سوى غطاء دبلوماسى متهالك تغلف به واشنطن وتل ابيب نزعات الهيمنة والمبادرة بالعدوان . واليوم مع تصاعد النذر بإحتمالية توجيه ضربات امريكية اسرائيلية جديدة لإيران , يبدو أن المنطقة تقف على شفا حفرة من حرب أقليمية شاملة, غير أن الرد الايرانى المتوقع قد يقتصر على القواعد الامريكية والعدو الصهيونى فحسب بل قد يتسع ليشعل جبهات لا يملك أحد القدرة على كبح جماحها .
هنا يبرز السؤال الجوهرى .كيف ينجح نتنياهو مجددا فى جر ترامب الى مستنقع حرب كفيلة بتدمير أرثة السياسى كـ ” رئيس للسلام لم يبدأ حروبا جديدة “؟ أن الكلمة السياسية والعسكرية باهظة دون شك , لكن يبدو أن كلفة كشف “المخفى” من حياة ترامب فى دهاليز العلاقات المشبوهة تحديدا ملف ” جزيرة أبستين” هى الكلمة الآكبر والأشد فتكا وهذا يطرح التساؤل المشروع أى فضائح تلك التى يتجاوز حجمها حدود الخيال؟
فى كتابه العميق ” معبد الفهود” يطرح المؤلف ميشائيل مار معادلة نفسية بالغة الدقة حول سلوك بعض الروائيين حيث بفتقد الكاتب لسمات أو قيم أو خبرات معينة فيمنحها بإفراط لأبطال رواياته ويدافع عنها مستميتا فالبخيل يكتب عن الكرماء والجبان يصنع أبطالا شجعانا .
إذا نقلنا هذا المنطق التحليلى من رقعه الادب الى مسرح السياسة وحللنا الهجوم الشرس والمستمر الذى يشنه ترامب على “الشذوذ الجنسى ” والتحلل الاخلاقى . نجد أننا أمام “ألية دفاعية” كلاسيكية فى علم النفس : الإسقاط والتعويض, هل هذا الخطاب المتشدد هو مجرد محاولة واعية لإخفاء حقيقة صادمة حدثت فى جزيرة أبستين وهل ما تم التكتم عليه خلف الأبواب المغلقة أفدح بكثير مما كشفت عنه الوثائق الرسمية ؟
إن التاريخ السياسى يعلمنا أن الصراخ الاخلاقى المرتفع غالبا ما يكون جدار الحماية الآول الذى يشيده السياسى لإبعاد الشبهات وبناء حضانة زيف أمام الجماهير .
إن ملف جيفرى أبستين لم يكن مجرد قضية جنائية أخلاقية بل هو “الثقب الاسود” فى السياسة الدولية شبكة ابتزاز عابرة للقارات صممت بدقة لترويض قيادات العالم عندما يملك الشيطان وثائق وتسجيلات تدين رئيس الدولة الأقوى عسكريا وماديا فى العالم , تتحول هذه الملفات الى أداة تحكم كاملة بالريموت كنترول , يصبح القرار السيادى من عقود السلاح الى إعلان الحروب رهينا لإبتزاز النخب .
وإذا كان هذا هو حال رأس الهرم فى القوة العظمى الآولى فما حال من هم دونه على رؤوس دول كثيرة حول العالم ؟
المأساة الكبرى تكمن فى أن الشعوب المغيبة بالخطابات الحماسية والشعارات العاطفية هى من يدفع الثمن من دمائها وثرواتها ومستقبل ابنائها عندما تصبح الفضائح الشخصية المتكومة هى المحرك الاساسى لقرارات السلم والحرب , تفقد السياسة معناها الاخلاقى وتتحول الدولة الى رهينة , ويوسد أمر الشعوب الى من ليسوا أهلا للأمانة . إنها الجريمة الكاملة التى تصنع فى الظلام ويتحمل وزرها الأبرياء فى وضح النهار