عبدالرحيم عبدالباري
في خطوة تعكس إصرار الدولة المصرية على الارتقاء بجودة الخدمات الصحية، أعلنت وزارة الصحة والسكان تحقيق نقلة نوعية غير مسبوقة في علاج السكتة الدماغية، عبر جهود الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، التي باتت نموذجًا متقدمًا للرعاية الطبية المتخصصة. وتأتي هذه الطفرة في إطار تنفيذ توجيهات الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، لتعزيز جاهزية المنظومة الصحية، خاصة في التعامل مع الحالات الحرجة التي تتطلب تدخلاً سريعًا ودقيقًا، بما يسهم في إنقاذ الأرواح وتقليل معدلات الإعاقة.
شهدت خدمات علاج السكتة الدماغية تطورًا ملحوظًا داخل مستشفيات الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، حيث تم تفعيل وحدات متخصصة تعمل على مدار 24 ساعة دون انقطاع، في مستشفيات دمنهور التعليمي، والمطرية التعليمي، وشبين الكوم التعليمي. هذه الوحدات تم تجهيزها بأحدث التقنيات الطبية والكوادر المدربة، لضمان الاستجابة الفورية للحالات الطارئة، وهو ما يمثل تحولًا جذريًا في سرعة تقديم الخدمة، خاصة أن التعامل مع السكتة الدماغية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعامل الوقت، حيث يمكن للدقائق أن تصنع الفارق بين الحياة والإعاقة.
وأسفرت هذه الجهود عن تحقيق إنجازات ملموسة، أبرزها الارتفاع القياسي في معدلات إجراء القسطرة المخية بنسبة بلغت 260%، وهو مؤشر قوي على تطور الأداء الطبي داخل هذه الوحدات. وتسعى الهيئة إلى الوصول إلى مستهدف طموح يتمثل في إجراء 400 حالة قسطرة سنويًا بحلول عام 2026، ما يعكس رؤية واضحة نحو التوسع في تقديم خدمات علاجية متقدمة، تواكب أحدث المعايير العالمية، وتلبي احتياجات المرضى في مختلف المحافظات، مع ضمان جودة الرعاية وسرعة التدخل الطبي.
وجاء تتويج هذه الجهود بحصول مستشفيات دمنهور التعليمي وشبين الكوم التعليمي على المستوى “الماسي” (Diamond) من المنظمة العالمية للسكتة الدماغية (WSO) خلال عام 2025، وهو تصنيف دولي مرموق يعكس التميز في جودة الخدمات الطبية المقدمة. هذا الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة التزام صارم بتطبيق المعايير العالمية، وتكامل الجهود بين الفرق الطبية والإدارية، ما عزز من ثقة المرضى في مستوى الرعاية الصحية داخل المؤسسات الحكومية.
وفي إطار دعم البحث العلمي وتبادل الخبرات، أبرمت الهيئة عددًا من بروتوكولات التعاون مع مستشفيات جامعة عين شمس، إلى جانب جمعية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للأوعية الدماغية والقسطرة المخية (MENA-VINs)، ما أسهم في تعزيز القدرات البحثية والتطبيقية. كما نجحت الهيئة في نشر 12 بحثًا علميًا في دوريات محلية ودولية خلال الفترة من 2019 إلى 2025، إلى جانب العمل على مشروعين بحثيين جديدين من المقرر نشرهما في عام 2027، بما يدعم مكانة مصر العلمية في هذا التخصص الدقيق.
وعلى صعيد التعليم الطبي المستمر، أطلقت الهيئة الدبلومة المهنية للقسطرة المخية التداخلية (NEVID) للدورة 2025-2027، بهدف إعداد جيل جديد من الأطباء المتخصصين في هذا المجال الحيوي. ويتم تنفيذ البرنامج بالشراكة مع مستشفيات جامعة عين شمس، وبمشاركة نخبة من الأساتذة، من بينهم الدكتور أحمد بسيوني، أستاذ طب المخ والأعصاب والقسطرة المخية، بما يضمن نقل الخبرات وتوطين أحدث الممارسات الطبية داخل المنظومة الصحية المصرية.
ولا تقتصر جهود التطوير على الحاضر فقط، بل تمتد إلى المستقبل من خلال الاستعداد لإنشاء «مدينة المستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، التي ستضم 18 معهدًا قوميًا متخصصًا، تشمل مراكز متقدمة لأبحاث المخ والأعصاب والجهاز الحركي. ويهدف هذا المشروع الطموح إلى تحقيق استدامة الرعاية الصحية، وتعزيز قدرات البحث والتدريب، بما يضمن استمرار تطوير الخدمات الطبية وفق أحدث النظم العالمية، وتحقيق التكامل بين العلاج والتعليم والبحث .
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد مصطفى عبدالغفار، رئيس الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، أن السكتة الدماغية تمثل أحد أبرز أسباب الوفاة والإعاقة في مصر، ما يستدعي تكثيف الجهود لبناء منظومة متكاملة تعتمد على أحدث التقنيات والكفاءات البشرية المؤهلة. وأوضح أن ما تحقق من إنجازات خلال السنوات الماضية يعكس قدرة مؤسسات الدولة على تقديم خدمات صحية تضاهي المستويات العالمية، مع التأكيد على استمرار العمل لتوسيع نطاق هذه الخدمات لتشمل مختلف المحافظات.
تؤكد هذه الطفرة في علاج السكتة الدماغية أن مصر تسير بخطى ثابتة نحو بناء نظام صحي حديث ومتطور، قادر على مواجهة التحديات وتلبية احتياجات المواطنين بكفاءة عالية. ومع استمرار الاستثمار في البنية التحتية والتدريب والبحث العلمي، تصبح منظومة الرعاية الصحية أكثر قدرة على إنقاذ الأرواح وتحسين جودة الحياة، لترسخ الدولة بذلك رؤية واضحة عنوانها: صحة المواطن أولًا، وجودة الحياة حق أصيل لكل مصري.