لم يكن تحذير احمد الطيب شيخ الازهر الشريف من التوسع غير المنضبط فى التعليم الاجنبى على حساب التعليم الوطنى مؤكدا أن تحوله الى مظهر اجتماعى للتباهى بين بعض الأسر يحمل مخاطر حقيقية على وعى الاجيال .
ودعا الى تحقيق معادلة متوازنة بين الاستفادة من النظم التعليمية الحديثة والحفاظ على ثوابت المجتمع وقيمه حتى لا يتحول التعليم الى وسيلة لعزل الاجيال عن ماضيها بدلا من ربطها به .
لم تكن كلمات شيخ الازهر مجرد تحذير عابر بل جرس أنذار يدق فى لحظة فارقة من تاريخ الوعى المصرى فالقضية لم تعد تتعلق بنوع مدرسة أو لغة دراسة بل بمسار أمة بأكملها هل نعلم ابناءنا ليكونوا جزءا من العالم أم ليصبحوا غرباء عن أنفسهم ؟
لا أجد يعارض الانفتاح على التعليم الحديث ولا الاستفادة من النظم الدولية المتقدمة لكن الخطورة تبدأ حين يتحول التعليم الاجنبى من وسيلة للتطوير الى وجاهة اجتماعية ومن أداة للمعرفة الى وسيلة للتمايز الطبقى هنا لا نكون امام تعليم بل أمام اعادة تشكيل الهوية .
المشكلة ليست فى اللغة الاجنبية بل فى غياب لغة الام وليست فى المناهج الدولية بل فى غياب التاريخ الوطنى وليست فى الانفتاح بل فى القطيعة .
جيل لا يتقن لغته ولا يعرف تاريخه ولا يشعر بإنتمائه هو جيل معلق فى الهواء .. لا هو انتمى الى جذوره ولا اندمج بعمق فى العالم والنتيجة ليست مواطنا عالميا بل فردا مغتربا فاقد البوصلة
إن أخطر مافى الظاهرة ليس انتشارها بل تبريرها حين يعتقد البعض أن الابتعاد عن التعليم الوطنى هو ترف اجتماعى فنحن امام خلل فى ميزان القيم لا مجرد اختيار تعليمى
الدولة التى نجحت لم تتخل عن هويتها .. اليابان لم تصبح يابانا إلا بلغتها ..وفرنسا لاتزال تحمى لغتها كأحد أعمدة سيادتها .. وكوريا الجنوبية انفتحت على العالم لكنها لم تسمح بأن يمحى تاريخها من عقول ابنائها
تحذير شيخ الازهر ليس دعوة للانغلاق بل دعوة للتوازن . والسؤال الذى يجب ان نطرحه بصدق .. هل نخرج اجيالا تعرف العالم .. أم اجيالا لا تعرف نفسها ؟