حين تتحول الحماية إلى حرمان
ليست كل القسوة واضحة، فبعضها يأتي متخفيًا خلف الخوف والحماية الزائدة.
ليست كل القسوة صراخًا أو عنفًا واضحًا،
فأحيانًا تكون القسوة في الإصرار الدائم على أن الأم وحدها هي التي تعرف مصلحة ابنها، وأن رأيها هو الصحيح دائمًا، حتى لو رفضت سماع رأي ابنها نفسه.
كثير من الأمهات يفعلن ذلك بدافع الحب والخوف،
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الخوف إلى تحكم، ويتحول الحرص إلى إلغاء لشخصية الابن ورغباته واختياراته.
فالابن لا يحتاج فقط إلى الطعام والتعليم والحماية،
بل يحتاج أيضًا إلى الشعور بأنه مسموع، وأن مشاعره مهمة، وأن له الحق في أن يختار ويجرب ويخطئ ويتعلم.
هناك فرق كبير بين التوجيه والسيطرة.
التوجيه يصنع شخصية مستقلة وقوية،
أما السيطرة الزائدة فقد تصنع شخصًا خائفًا من اتخاذ القرار، أو فاقدًا للثقة بنفسه، أو متمردًا يفعل كل شيء في الخفاء فقط ليشعر أنه يمتلك حياته.
فكم من شاب عاش محرومًا من حلم كان قادرًا أن يغيّر مستقبله،
وكم من فتاة فقدت ثقتها بنفسها لأنها لم تمتلك يومًا حق الاختيار.
ومن الناحية النفسية، فإن الحرمان المستمر من التعبير عن الذات قد يؤدي إلى العناد، أو الكذب، أو الانغلاق، أو الدخول في علاقات غير صحية بحثًا عن الاحتواء المفقود.
ثم تتساءل بعض الأمهات:
“لماذا تغيّر ابني؟”
“لماذا أصبح بعيدًا؟”
“لماذا لم يعد يحكي لي شيئًا؟”
بينما الحقيقة أن الإنسان حين يشعر طويلًا أن صوته غير مسموع، يتوقف تدريجيًا عن الكلام.
ومن واقع عملي كأخصائية نفسية،
أرى أن الأبناء لا يحتاجون إلى أهل مثاليين، بقدر احتياجهم إلى أهل يمنحونهم الأمان النفسي.
احتوِ ابنك قبل أن يبحث عن الاحتواء في مكان آخر.
استمع إليه قبل أن يصمت تمامًا.
ناقشه قبل أن يعاندك.
واجعله يشعر أن رأيه مهم، حتى إن اختلفت معه.
فالحب الحقيقي لا يعني أن نصنع أبناءً يشبهوننا،
بل أن نساعدهم ليصبحوا أفضل نسخة من انفسهم .