لم تعد ازمة الصحة فى عالمنا المعاصر لغزا معقدا بل نتيجة منطقية لنمط حياة مختل , أرقام منظمة الصحة العالمية تقول بوضوح إن الأمراض غير المعدية إن الامراض غير المعدية تحصد نحو 74% من الوفيات عالميا السؤال لم يعد لماذا نمرض ؟ بل لماذا نصر على العيش بما يمرضنا ؟
وسط هذا المشهد يخرج مايعرف بـ “نظام الطيبات” الذى طرحه الدكتور ضياء العوضى كصوت صادم يكسر المسلمات لابوصفه “دايت” عابرا بل كاتهام مباشر لمنظومة غذائية كاملة فقدت بوصلتها. الفكرة بسيطة فى ظاهرها لكنها مقلقة فى عمقها ليس كل مانأكله صالحا لنا حتى لو اعتدناه
الحقيقة التى يتهرب منها كثيرون نحن نأكل كما لوكنا كائنات تطورت فى مصانع بينما اجسادنا مازالت تنتمى الى الطبيعة
التصنيع الغذائى , التهجين , الاضافات الكيميائية كلها صنعت طعاما جديدا لم يختبره الجسم البشرى عبر تاريخه الطويل .
بعض الدراسات المنشورة عبر المعاهد الوطنية للصحة تشير الى أن مركبات مثل “اللكتينات” – الموجوده فى اطعمة نعدها صحية كالبقوليات – قد تتفاعل مع بطانة الأمعاء وتحفز الالتهاب. نعم . ليست سما مباشرا لكنها ليست بريئة تماما ايضا
ورغم ان العلم يؤكد ان لهذه المركبات أدوارا مفيدة فى بعض السياقات فإن السؤال الأكثر إزعاجا يظل قائما هل نأكل مايناسب اجسادنا ,, ام ماتعودنا عليه فقط ؟
فى مفارقة لافته يقف الارز الابيض – المتهم الدائم فى أدبيات “الدايت” فى قلب “نظام الطيبات” كبطل معاد اكتشافه
وبعيدا عن الانطباعات تشير مراجعات علمية شملت 19 دراسة الى أن استهلاكه لا يرتبط بشكل حاسم بزيادة الوفيات
الآكثر إثاره أن مايعرف بـ “النشا المقاوم” والذى يتكون عند طهى الارز ثم تبريده أظهر قدرة على :
– دعم البكتيريا النافعة فى الأمعاء
– تقليل مؤشرات الالتهاب
– تحسين البيئة الهضمية
هنا تنهار سردية كاملة بنيت على شيطنة “النشويات” دون تمييز .. ليست كل النشويات سواء .. وليست كل الأحكام العلمية نهائية
الجدل حول ” نظام الطيبات” لا يدور فقط حول الغذاء بل حول سلطة”العرف” فى مواجهة “العلم”
فالقطاع الطبى يتحفظ بحق على اقصاء مجموعات غذائية كاملة مثل البقوليات مستندا إلى أنها :
– مصدر غنى بالآلياف والبروتين
– مرتبطة بإنخفاض أمراض القلب
– تصبح أكثر أمانا مع الطهى الجيد
لكن فى المقابل لا يمكن تجاهل حقيقة أن كثيرا من التوصيات الغذائية السائدة نفسها خضعت عبر العقود لتعديلات وانقلابات
ماكان مفيدا بلا جدل بالأمس أصبح اليوم محل مراجعة ومانعتبره مسلمات غذائية قد يكون فى حقيقته عادات موروثة أكثر منه علما قاطعا
المشكلة لم تعد فقط فى الطعام بل فى المنظومة التى تنتجه وتسوقة, وفق تقارير البنك الدولى تنفق الدول مليارات الدولارات سنويا على علاج أمراض يمكن الوقاية من نسبة كبيرة منها عبر تحسين نمط التغذية
قيمة نظام الطيبات لا تكمن فى كونه صحيحا بالكامل أو خاطئا بالكامل بل فى كونه صادما بما يكفى لطرح السؤال
هو لا يقدم أجابات نهائية لكنه يزعزع يقينا زائفا وهذا فى حد ذاته بداية أى تصحيح حقيقى
الحقيقة ليست دائما مريحة والتغيير ليس سهلا لكن الأخطر من الخطأ هو التمسك به فقط لانه مألوف .. يبقى الغذاء هو الداء والدواء وتبقى مسؤولية الاختيار فردية قبل ان تكون طيبة
السؤال الذى يجب ان يواجهه كل منا بصدق
هل نأكل لنحيا .. أم نأكل كما اعتدنا دون أن نفكر ؟
قال الله تعالى ” يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا
فريما لم تكن المشكلة يوما فى قلة الطعام بل فى غياب التمييز بين الطيب وما نظنه طيبا